الساعة الآن بتوقيت الحب

 من مبدأ إكرام الذات، لا حنين لمن لا يحن

جبران خليل جبران

   

حينما سمعت كلمة الحبّ، بماذا شعرت؟ وهل تجردت من ذاتك حين سماعها؟ لا أعتقد، أنّ كلّ شخص منّا قد يتشابه في الشعور، ربما من لحظة ولادة الإدراك، هذا يعنى أنّ الاختلاف سيد الموقف. يقول علي شريعتي" القوة التي ستحررك من داخلك عبادة الذات ليست هي العلوم المسخرة وإنّما هي فن التراحم و الحب"، متى امتزجت الرحمة بقلبك علا الحبّ بشراعه، فكانت نظرتك صوب كلّ رؤى منطقٌ مُحكم، خالٍ من تشويش الظروف.

  

في نهاية كلّ عام، كلٌّ منّا يُعيد بساط الأيام على مرأى عينيّه، ونجد أنّ كثيرٌ منّا لم يحصد جيدًا من ثمارٍ زرعها، فتذهب الخيبات إلى قلبه، وتروح السنون في بئرٍ منفي! ورماديّة الحياة ترتفع نسبة درجاتها مع سوداويّة تفكيره، فكأن القاعدة لا شواذ لها؛ فرتابة الوقت بوتيرة معينة تأخذ بنّا أحيانًا إلى حالة السأم التي تقتل النّفس، وتضيق بها حلقة التفاعل الاجتماعي مع من حولنا، وتشدو بنظامٍ لا يفهمه أحد، وهي تخلق نوع من فقد الحبّ في مكنونان النّفس وفي البيئةِ المُحيطة، ربما طريقٌ للعزلة القاتلة، هذا قد يقود بالشخصِ إلى إفلاتِ طُرق مُعالجة الذات وإعادة قوتها.

  

لقد رحلت هذه السنة بكلّ ما حملت من أثقالٍ وهموم وفرحٍ وسعادة، لتدخلَ سنةٍ جديدة لا نعلم ما تخبئ بين ثنايا أيامها، وهل ستمهلنا للمزيد من الوقت؟ وماذا عن العمر؟ لنفكرَّ كيف نضبطّ لحظاته

حان الوقت لنصْحو من هذا السُبات الذي ينفذْ إلى دواخلِنا، ويشلّ الحياة في أوردةِ الدّم، فتتخثر بالكبتِ الذي لا يُعطي أيّة تفسيرات، ويُمِيت الطبيعة التي أوجدها الله سبحانه في كلّ إنسان، إنّ العين قد ترى ما تُحب وما يروق لها، ولكنْ أعلَم أنّ بعض الظروف قد تغيرّ تلك النّظرة! فطبيعتنا الحقيقيّة أنْ نتعامل معها لا أنْ نخضع لأضرارِها، إنّنا نَملك العقل الذي ميزنا الله به عن سائرِ المخلوقات، فالكون وضِعَ بحكمةِ الله، ونحن نسير كما يُريد الله وفق البصيرة التي وهبنا إياها.

  

إذن، نحن ملك أنفسنا، وأرواحنا بيد الله وحده، ورحمة الله وجِدت قبل الخَلق، أنظروا إلى هذه الآية في قوله تعالى: "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ". (يونس: 58)، فالرحمة هنا جليّة في قول الله عزّ وجل ذات نظرة أمل وتفاءل، ففيها طَرد للتفكير السلبي، والقِدم نحو حياةٍ إيجابية خالية من القُنوط. فالقرآن هو الرحمة التي تُصحح مسارات حياتنا، والنجاة من وهجِ القلوب، ونزعٌ للضيقِ من الصدور حين تقرأ آياته بإمعان؛ فهذا هو الصبر الذي ينشل النّفس من فلتاتها كما في قوله تعالى: "وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ".(النحل:127) .

  

وتذكروا دائمًا أنّ الله معنا ومع عباده الصالحين حين تدوم التقوى في باطنِ القلوب كما في قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ" (النحل: 128 )، والإحسان لا يشمل أنْ تُعطيه للآخرين فقط، فنفسك بحاجةٍ لإحسانك، وإلى الإيمان الذي يأخذ بيدك نحو مرضات الله وتوفيقه، فكيف تنتظر مجيءَ حُلمك وأنت بعيدًا كلّ البعد عن الله؟ حانَ الوقت لقتل تلك الغَفلة، وإخفاء رمادها، إنّ الوقت الآن سينقضي ولا يعدْ! قد تفلت منك لحظاتٍ كثيرة، أدرك نفسك، سِلها وسيلتها وامضي بترميمها، أترك فيضَ الانتحاب جانبًا، وأبكِ بعودة ذاتك خالصة بين ودائع الله سبحانه.

    

لقد رحلت هذه السنة بكلّ ما حملت من أثقالٍ وهموم وفرحٍ وسعادة، لتدخلَ سنةٍ جديدة لا نعلم ما تخبئ بين ثنايا أيامها، وهل ستمهلنا للمزيد من الوقت؟ وماذا عن العمر؟ لنفكرَّ كيف نضبطّ لحظاته. لكنْ، لما تجتمع كلّ الخيبات في المرآة أمامنا، ونشعر بلسعاتِ الألم وهي تلفح أرواحنا، ونبقى عالقون في أحداث الندم، من الغدر والخيانة وصَفعات بعض الأصدقاء؟ فكأنّ ساعة الموت هي التي تَدق! كفى، لنخلع تلك الوَخزات التي تنخر أرواحنا، لما نقتلّ الحبّ في أنفسنا؟ ونعطي قيمة لمن لا يستحق. علينا أن نعلن أنّ الساعة الآن بتوقيت الحبّ. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

من الناس من يرى سعادته بمال يجمعه، أو شريك يكمل حياته معه، أو منصب يصله، أو بلد يسافر إليه، لكن المال يفنى، والناس يتغيرون، فما سر السعادة الحقيقية؟

الأكثر قراءة