هل يريد ترامب سلاما حقيقيّا في الشرق الأوسط؟

لقد أعلن الرئيس الأمريكي ترامب خطته المنتظرة لحل المعضلة الفلسطينية وادعى أنها خطة سلام شامل يمثل فرصة تاريخية كما قال للخروج من حالة الحرب الدائمة في الشرق الأوسط نحو السلام الدائم والمستدام. فهل تمثل خطة كوشنير- ترامب فرصة حقيقية للسلام في الشرق الأوسط؟

إن أي خطة تريد تحقيق السلام الدائم في الشرق الأوسط لا بد أن تكون متوازنة وعادلة وتضمن حقوق الشعب الفلسطيني كاملة أو على الأقل في الحد الأدنى المقبول طبقا للقوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن وكل المبادرات العقلانية للسلام والتي قبلها الفلسطينيين والعرب مثل المبادرة العربية للسلام. ولكن خطة كوشنير- ترامب خطة غير متوازنة ولا تتضمن إشارة لأي حق من حقوق الشعب الفلسطيني بل تمثل تدميرا كاملا لوجوده كشعب وقتل متعمد لحقوقه الأساسية في أن تكون له دولة ذات مقومات سيادة وحرة وعلى كافة الأراضي التي احتلتها إسرائيل سنة 1967 بما في ذلك القدس الشرقية.

لن يدعمها في أمتنا العربية والإسلامية إلا من تربوا في حضن الصهيونية والاستبداد والطغيان. أما من تربى في حضن الحق فلن يكون إلا ظهيرا لفلسطين وشعب فلسطين وأرض فلسطين

تمثل هذه الخطة إعادة إحياء لنظام التمييز العنصري الذي كان سائدا في جنوب إفريقيا لا أكثر ولا أقل كما أنها تحتوى على العديد من التناقضات. فهي من جهة تضع القدس الموحدة تحت سيادة إسرائيل ومن جهة ثانية تتحدث عن عاصمة للدولة الفلسطينية في القدس الشرقية وهو أمر يؤكد أنها خطة تلفيقية متسرعة لغايات انتخابية تخص ترامب ونتنياهو في 2020 ولعل مهلة الأربع سنوات التي تحدث عنها ترامب لقبول الفلسطينيين للخطة دليل على ذلك فهي تنتهي بنهاية ولايته الثانية ولن يهتم وقتها إن رفضت خطته فهو سيحول أزمة الشرق الأوسط للرئيس القادم.

إن الخطة تمثل نهاية لحلم الدولة الفلسطينية المستقلة الذي استشهد من أجله ولا يزال ألاف الفلسطينيين وشرد مثلهم وأكثر. فالدولة التي تقترحها الخطة لا تمتلك أية مقومات من مقومات الدولة وأهمها السيادة. فالدولة المقترحة تخضع كليّا للسيادة الإسرائيلية في سياستها الخارجية والدفاعية وأمنها القومي. إذا اُنتزع من الدولة السيادة والأمن والدفاع فهل يمكن اعتبارها دولة حين ذاك؟. إنها دولة على الورق. دولة عارية. دولة بلا أنياب وغير قادرة على الدفاع وحماية شعبها. بل إن الخطة تسمح للجيش الإسرائيلي بالدخول متى شاء لأراضيها والاعتداء على حرمة مواطنيها كلما أراد ذلك ودون تنسيق مع السلطة الفلسطينية.

دولة كوشنار – ترامب الفلسطينية ليست إلا محميات معزولة عن بعضها البعض داخل دولة إسرائيل تشبه المحميات الطبيعية للحيوانات المفترسة والمهددة بالانقراض. فيها يتحول الشعب الفلسطيني لمشهد فرجوي للسياح الأمريكيين الذين تعودوا في بلادهم على الفرجة على محميات الهنود الحمر. وتصبح فلسطين الموعودة حسب ترامب حديقة حيوانات كبيرة ولكن لشعب أفقده العالم إنسانيته قبل أن يحوله للحيوانية بدعم من بعض الحكام العرب الذين تخلوا عن عروبتهم مقابل الحفاظ على كراسيهم.

لن تمر هذه الصفقة ولن ينتصر من دعمها من العرب بل لعلها عرتهم جميعا أمام شعوبهم وأمام بقية الأمة العربية التي لن يجدوا فيها بعد اليوم نصيرا إلا كل عربي صهيوني مهما علا شأنه وارتفعت درجته الفكرية والثقافية. ولن يدعمها في أمتنا العربية والإسلامية إلا من تربوا في حضن الصهيونية والاستبداد والطغيان. أما من تربى في حضن الحق فلن يكون إلا ظهيرا لفلسطين وشعب فلسطين وأرض فلسطين.

قد تنتصر قوى الشر في معركة اليوم ولكن معركة الغد لأهل الخير والحق. وحتى وإن تخلى العرب عن فلسطين فإن أحرار الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم لن يتخلوا عن حق الشعب الفلسطيني في أن تكون له دولة حرة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشريف. ولن يتخلى الشعب الفلسطيني عن حقه في بناء دولته الحرة ولو تخلى كل العالم عنه. ستبقى أرض فلسطين مقبرة للغزاة ومنبعا للأحرار.
لقد حان الوقت للعرب أن يراجعوا علاقتهم بالولايات المتحدة الأمريكية طبقا للمصالح العربية وليس خدمة لمصالح ترامب وعليهم أن يدركوا أن الضامن الوحيد لبقائهم في السلطة عي شعوبهم وليس غيرها.



حول هذه القصة

تنطلق الصفقة في مرحلتها الأولى من رعاية أمريكية تعيد الثقة لمسيرة التسوية وتحقق وجود الضامن المفقود. مع التزام كامل بمبدأ حل الدولتين، مع إقرار “إسرائيل” بحدود فلسطينية بدولة منزوعة السلاح.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة