هكذا مهّد نور الدين زنكي لتحرير القدس

blogs نور الدين زنكي

انتهى بموت عماد الدين زنكي فصلٌ مهم من فصول اليقظة الإسلامية، وقبل أن يعم اليأس والقنوط في بلاد الشّام استطاع ابنه نور الدين محمود التقاط راية أبيه الخافقة بسرعة وجدارة-مكملاً بذلك خططه في تحرير أرض الشام من الصليبيين، واستطاع منع الركب العربي الإسلامي من النكوص والتراجع إلى الوراء، وأعاقه عن العودة إلى حالات التمزّق والشلل التي عكف عليها طويلاً.

هذا وقد كان من العسير على الأقوام الإسلاميّة التي أشبعت بالحماس والنشاط بعد تذوق طعم النصر والظفر-كان من العسير عليها أن تتراجع خطوةً إلى الوراء؛ لذلك التفوا بقوة حول نور الدين زنكي حين أيقنوا أنه خير خليفة للمسلمين بعد والده -رحمه الله-، فتولى نور الدين مقاليد الحكم، وأصبح بعدها من أعظم الحكام المسلمين في زمانه لا سيما أنه سار على نهج والده في الجهاد والعمل.

ولادة نور الدين زنكي

ولد نور الديّن محمود زنكي في السابع عشر من شوال سنة 511 هجرية، وهو ثاني أولاد عماد الدين زنكي بعد سيف الدين غازي، وقد تم الاتفاق بعد وفاة والدهما على أن يتولى نور الدين سياسة بلاد الشام وأن يجعل حلب عاصمة لملكه، في حين يتولى سيف الدين غازي حكم الموصل.

العمل الإصلاحي لنور الدين زنكي
لقد كان نور الدين زنكي مؤمنًا صادقًا ومجاهداً عظيمًا، وحتى في خضم حروبه مع النصارى كان ينشر العدل ويبني الدولة، ولم يشغله حكم ولا سلطة ولا سلطان بقدر ما شغله جهاد الصليبيين

بدأ نور الدين زنكي بنشر الإصلاح الاجتماعي، ومضى قُدمًا في القضاء على الفساد والنهوض بالاقتصاد؛ فانتعش الشعب وشعر بأهمية التفافه حول هذا القائد المسلم الجديد، خصوصا أن هذا البطل لم يغفل عن واجب الدفاع والذود عن حياض الأمة الإسلامية، ولم ينِي في درب الجهاد ضد الصليبين، وقد أبدى في مواقفه جدارته بمقام أبيه، وأثبت أنه قادر على إكمال المسيرة، ومن تلك المواقف صده هجوم جوسلين الثاني الذي حاول استعادة إمارة الرها التي فتحت على يد عماد الدين زنكي -رحمه الله-، فألحق بهم نور الدين زنكي هزيمة نكراء جعلتهم يعودون أدراجهم كما عادوها أيام أبيه. وعى نور الدين زنكي طبيعة المعركة التي يخوضها مع الصليبيين، إذ أنها معركة عقائدية، وكانت تتطلب اتحاد المسلمين للتغلب على الخطر الصليبي؛ فقام نور الدين بالإعداد لهذا الواجب بتروٍ وسياسة وحنكة.

وفي الوقت الذي كان فيه نور الدين يثبت أركان حكمه ويحشد الجماهير -داهم البلاد الشاميةَ خطر إفرنجي جديد، إذ انطلقت الحملة الصليبية الثانية صوبَ دمشق عام 1148م، وقد فُرض على المدينة حصار شديد، فاستنجد حاكم دمشق بنور الدين وأخيه سيف الدين، فلبيا النداء، وزحفا بجيشٍ موصليّ حلبيّ وتوقفا في مدينة حمص، وقبل مواصلة مسيرهما جاءتهما الأنباء بأن مجاهدي دمشق وأهلها قد استبسلوا في الدفاع عن مدينتهم، ولا يخفى أن لنور الدين دور كبير في هذا النصر، إذ أنه ضيّق على النصارى الحصار ومنع عنهم الماء، وقد دفعهم هذا إلى فك الحصار عن دمشق والاستسلام له، وبهذا نجح نور الدين والمجاهدون في رد الغزاة من الصليبين، وألحقوا هزيمة نكراء بأكبر ملوك و جيوش أوروبا، حيث قابل مجاهدو دمشق العدو بروحٍ فدائية، وظفروا بنصرٍ رائعٍ سطره لهم التاريخ بمِداد الفخر والمجد. وفي موازاة هزيمة الصليبين تنامى المدّ الاسلامي بقيادة نور الدين زنكي، حيث حرروا الكثير من المناطق الشامية من أيدي الغزاة، مثل حصن العريمة والمناطق القريبة من أنطاكية في الغرب.

سعيه لتوحيد المسلمين

لقد آمن نور الدين زنكي بضرورة التحام القوى الإسلامية وتوحيد الصفوف المفككة، حتى تكون سدًا منيعًا أمام أطماع الصليبيين؛ لكن حُكّام ووزراء دمشق الذين ربطتهم علاقات ودية مع الصليبين حالوا دون تبلور مشروع الوحدة المنشود، وقد عمل نور الدين جاهدًا على توحيد دمشق، وهو ما حدث فعلا سنة 1154م وذلك بعد وفاة وزيرها الداهية "معين الدين أنر" الذي عرفت البلاد في عهده مرحلة من الذل والمهانة أمام الصليبين، وقد استقبل سكان دمشق نور الدين زنكي بالترحيب البالغ، وتوحدت في عهده بلاد الشام، وتوسعت الدولة النورية وأصبحت تحيط بالقوات الصليبية من الشمال والشرق والجنوب!

وبذلك لم يبقَ للصليبيين مكانٌ للتوسع سوى مصر التى مثلت ثرواتها حافزاً لهم على ضمها لملكهم، خاصة في ظل الخلاف والضعف الذي عرفه البلاط الفاطميّ في مصر آنذاك. وبالفعل قام الإفرنج باجتياح مصر ولم تعقهم أي مقاومة تذكر! فبعث نور الدين جيشًا بقيادة أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي لطرد الصليبيين منها، وكان ذلك عام 1169م، وقد حققوا نصرًا مبينًا كسروا به شوكة الصليبيين وألحقوا بهم هزيمة نكراء، فتولى شيركوه منصب الوزارة؛ لكنه توفي بعد شهرين من ذلك، فجعل نور الدين مكانه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، وامتدت بعدها الدولة النورية من الموصل إلى مصر فصارت قطعةً واحدة، وفُصِلَ بيت المقدس عن بقية الإمارات الصليبية وأصبح معزولا واضح المصير. أدرك الصليبيون أنهم أمام رجل من نفسِ طينة أبيه، قائد عظيم لا يقهر، عمل على توحيد صفوف الأمة الإسلامية، فأعدَّها إيمانيًا وفكريًا واجتماعيًا و جهاديًا واقتصاديًا.

إيمانه وصدقه في العمل

لقد كان نور الدين زنكي مؤمنًا صادقًا ومجاهداً عظيمًا، وحتى في خضم حروبه مع النصارى كان ينشر العدل ويبني الدولة، ولم يشغله حكم ولا سلطة ولا سلطان بقدر ما شغله جهاد الصليبيين.

وفاته

وافت نور الدين زنكي المَنِيّةُ وهو في التاسعة والخمسين من عمره، وذلك إذ فاجأته الحمّى وهو في طريقه إلى مصر، وحين ذاع خبر وفاته أدرك العالم الإسلامي أنه خسر بطلاً عظيمًا لطالما رفع راية الحق عاليًا، فأفل نجم نور الدين زنكي سنة 1174م.

بصيص أمل

لكن مشيئة الله في نصر الإسلام والمسلمين لم تغب، فكلما أفل نجمٌ بطلٌ ظهر آخر على الساحة، ليواصل دكّ معاقل الإفرنج وينشر العدل والإسلام، فاستلم الراية هذه المرة صلاح الدين الأيوبي، وبدأت رحلته في قيادة العرب وتحقيق النصر العظيم في موقعة تاريخية مشهورة حرر فيها القدس الشريف..نذكرها لكم في لاحق المقالات إن شاء الله.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة