صفقة القرن.. إنهاء الصراع أم تصفية نهائية للقضية الفلسطينية؟

بعد فشل مؤتمر البحرين للسلام الاقتصادي في يونيو الماضي، والذي كان يعد من أجل تحضير الأرضية للشق الاقتصادي لخطة السلام الأمريكية لإنهاء الصراع الفلسطيني والإسرائيلي، أو ما تعرف بصفقة القرن، والذي لقى رفضا ومقاطعة من الجانب الفلسطيني الرسمي، والجبهة الشعبية في الدول العربية، أعادت واشنطن صياغة خطة سلام جديدة، ولكن بعد صدور البنود العريضة للخطة الجديدة، اتضح أنها أكثر سوءا من النسخة السابقة، فهي وبشكل رسمي سوف تسعى إلى القضاء نهائيا على دولة كانت تعرف باسم فلسطين.

البنود الجديدة المسربة لصفقة القرن:

الثلاثاء 28 يناير 2020، هو يوم محوري في مسار الشرق الأوسط الجديد، والذي حسب الرئيس الأمريكي سيتم من خلاله الإعلان على البنود الرئيسية لصفقة القرن، والتي حسبه سوف تكون خطة السلام التي سوف تنهي الصراع العربي الإسرائيلي، والتي أقر من خلالها أنه جد متفائل بقبول الطرفين بها، خاصة وأن الجانب الإسرائيلي بجميع أطرافه المتصارعة على السلطة أقرت على قبولها ودعمها للخطة، سواءا رئيس الوزراء لحكومة تصريف الأعمال الحالي بنيامين نتنياهو أو بيني غانتس زعيم التكتل الأزرق-الأبيض المنافس لنتنياهو في الانتخابات المقبلة، والذي صرح بأنه سوف يعمل على تطبيق خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط بشكل فوري عقب الانتخابات الرئاسية المقبلة.

بنيامين نتنياهو من خلال حملته الانتخابية الأخيرة كان قد وعد الإسرائيليين بضم أجزاء من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية أو ما يسمى بالمنطقة "ج" في اتفاق أوسلو، والتي تمثل 61 بالمئة من الضفة الغربية

الملاحظ من خلال تصريحات المسؤولين والسياسيين الإسرائيليين على اختلاف أطيافهم وتوجهاتهم، هو تأييدهم المطلق لهذه الصفقة، وثنائهم على الرئيس الأمريكي، فمن خلال تصريح نتنياهو الذي شكر فيه الزعيم الأمريكي على كل ما فعله من أجل اسرائيل، ومعتبرا أن صفقة القرن هي صفقة قرن بأتم ما يحمله الوصف من معاني، ولن يتم التنازل عنها. يفهم من خلال هذه التصريحات، وخلو أي رد فعل من الجانب الفلسطيني أن هذه الخطة سوف تصب في اتجاه واحد، وهو مصلحة إسرائيل وضمان أمنها واستقرارها.

في وقت أكد رئيس السلطة الفلسطينية لأعضاء في حركة فتح أنه تلقى تهديدات بدفع ثمن عدم الرد على الاتصال الهاتفي الذي سيصله من الرئيس الأمريكي عصر الثلاثاء 28 يناير، لطرح بنود الخطة الجديدة للسلام، ولكنه لم يذكر مصدر تلك التهديدات أو نوعيتها، ولكن وحسب المتابعين فإن إدارة ترامب تهدد السلطة بقطع كافة المساعدات المالية التي تصل إليها من طرف الهيئات الدولية، مع تجميد كافة حسابات البنكية في الخارج، وهو ما قد يزيد من معاناتها في مواجهة احتياجات سكان الضفة الغربية الأساسية وقد يهدد بانفجار أزمة إنسانية في الضفة. حسب البنود المسربة لخطة السلام فإنها تنص على مرحلة انتقالية تمتد إلى أربعة سنوات، من خلالها سوف يتم الاعتراف بسيادة إسرائيل على 30 بالمئة من أراضي الضفة الغربية، وخاصة على المستوطنات القانونية، وهو ما كان منتظرا منذ إعلان وزير الخارجية الإمريكي مايك بومبيو في نوفمبر الماضي أن المستوطنات الإسرائيلية لا تعتبر منافية للقانون الدولي، وهو ما مثل تغيرا واضحا في سياسات الإدارات السابقة لواشنطن والتي كانت تعارض بناء المستوطنات سواءا القانونية أو الغير قانونية، والتي كانت تعتبرها أحد عقبات التوصل لاتفاق سلام نهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

بالاضافة إلى أن بنيامين نتنياهو من خلال حملته الانتخابية الأخيرة كان قد وعد الإسرائيليين بضم أجزاء من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية أو ما يسمى بالمنطقة "ج" في اتفاق أوسلو، والتي تمثل 61 بالمئة من الضفة الغربية، واقعة في جزءها الشرقي، تؤكد البنود المسربة أنه بالأراضي المصرح بها لاسرائيل بضمها تحت سيادتها سوف تضمن لها ضم 30 بالمئة من مساحة الضفة الغربية كاملة. انتهاك السيادة الفلسطينية من خلال هذه الخطة لم يتوقف عند هذا الحد، وإنما تجاوزه وفق التسريبات إلى تحويل مدينة القدس كاملة تحت السيادة الإسرائيلية، وهذا أمر كان متوقعا كذلك منذ إعلان ترامب في 2017 على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس تمهيدا لجعل القدس عاصمة لدولة إسرائيل، في وقت سوف يؤسس الفلسطينيون دولة دون سيادة حقيقية، بداية من جعل بلدة "شعفاط" الواقعة شمال القدس المحتلة كعاصمة لهم، وبالتالي تخليهم على القدس الشرقية، مع تكوين إدارة إسرائيلية وفلسطينية مشتركة لتسيير الأماكن المقدسة للفلسطينيين بداية من المسجد الأقصى.

والغريب في الأمر هو التخطيط لسيطرة إسرائيل على المجال الجوي الفلسطيني وبالتالي فإن السيادة الفلسطينية سوف تكون على المجال البري فقط، على أن تخضع الحدود بين الدولتين لسيطرة إسرائيل، لتتحكم في كامل الحدود الجوية والبرية والبحرية للدولة الفلسطينية، وهذا تحصيل حاصل إن علمنا أن هذه الأخيرة سوف تكون منزوعة السلاح، وهو أمر سوف يفرض على جميع الأجهزة الأمنية والفصائل المسلحة في فلسطين بما فيهم حركتي حماس والجهاد الإسلامي، على اعتبار أن غزة سوف تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية، وذلك بانشاء ممر آمن بين الضفة الغربية وغزة سوف تخضع حدوده لسيطرة جيش الاحتلال.

ولكن ما يؤكد عليه ترامب من خلال خطته للسلام ضرورة اعتراف الجانب الفلسطيني ليهودية الدولة العبرية، وهذا ما يتنافى مع الأسس الديموقراطية التي تتغنى بها دول ما يعرف بالعالم الحر، فالاعتراف على تبني الدولة لتوجه ديني محدد، يعني جعل كل المواطنين الذي لا يتبعون تلك الديانة في ذلك البلد مواطنين من الدرجة الثانية، بحقوق أقل وهو ما يخطط له نتنياهو من خلال الاصلاحات التي يعتزم القيام بها على الدستور الإسرائيلي والتي سوف تجعل عرب 48 وهم يشكلون قرابة 21 بالمئة من المجتمع الإسرائيلي مواطنون من الدرجة الثانية، إلا إذا انصهروا بشكل كامل في المجتمع اليهودي متخلين على هويتهم العربية القائمة على المبادئ الإسلامية.

ترامب سوف يعول كثيرا على الدعم العربي لخطة السلام، خاصة وأن العديد من الدول العربية لم تعد ترى في إسرائيل ذلك العدو التقليدي المغتصب للأراضي المقدسة في فلسطين، وإنما أصبحت ترى فيه الشريك والحليف الأساسي في مواجهة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وهو ما استغله الجانب الإسرائيلي بفعالية، بفتح صفحة تعاون أمني واستراتيجي وإن كان بشكل غير مباشر مع العديد من الدول العربية، وضمان تحييدها في صراعها مع الجانب الفلسطيني، ففي مؤتمر البحرين السابق كان أغلب دول مجلس التعاون الخليجي عدا قطر والكويت مؤيدين ومشاركين في المؤتمر، مع تأكيدهم أن صفقة القرن تعتبر مفتاح السلام في الشرق الأوسط.

لقد وقعت القضية الفلسطينية ضحية التغيرات الطارئة على مستوى المنطقة العربية، بداية من الربيع العربي والذي لم يكتب له النجاح في تحقيق تطلعات الشعوب، وبالعكس أتى بنتائج كارثية على المنطقة، وجعلها تدخل من مرحلة من الفوضى واللااستقرار، وهذا ما جعل قضية فلسطين تتحول من قضية محورية في العالم الاسلامي، إلى قضية هامشية لا تتصدر اهتمامات الشعوب الاسلامية.



حول هذه القصة

تنطلق الصفقة في مرحلتها الأولى من رعاية أمريكية تعيد الثقة لمسيرة التسوية وتحقق وجود الضامن المفقود. مع التزام كامل بمبدأ حل الدولتين، مع إقرار “إسرائيل” بحدود فلسطينية بدولة منزوعة السلاح.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة