جمال سالم.. نموذج الانتشاء المفرط بعنفوان السلطة

جمال سالم ١٩١٨-١٩٦٨ هو أصعب شخصيات ثورة يوليو 1952 حظا مع السياسة والجماهير. يعرفه قراء التاريخ على أنه قائد الجناح والعضو الأول في مجلس قيادة الثورة، ويعرفه التاريخ على أنه الطيار العصبي الفظ العنيف الذي حمل وزر محاكمة الإخوان وقادتهم، واستعذب ما نسب إليه من التجاوز والتعدي والقسوة والوحشية، والذي تصدى قبل هذا لضباط المدفعية والفرسان في محاولتيهما لتهذيب عنفوان نهر ثورة 1952، وتجاوزات أعضاء القيادة.

 

خروجه من السلطة

كان من الممكن لجمال سالم أن يظل في موقعه المتقدم من بين زملائه لكنه سرعان ما ترك عبد الناصر ونظامه مع انتخابه رئيسًا في 1956 ثم عاش ١٢عامًا تعذب فيها بالإهمال والإقصاء والتهميش والإعراض عنه، والتجاوز في حقه كما تعذب بالسرطان وآلامه، ومحاولة التوبة دون جدوى حتى روي أنه عاش سنواته الأخيرة بائسًا ضائعًا يبحث عن المظلومين ليستسمحهم، وعن المظلومين لينال دعوة منهم تطمئنه من خوفه من عذاب متوقع.

 

لكن التاريخ أيضًا يعرف لهذا الضابط الشاب جمال سالم، أنه، هو وليس غيره، كان أكثر زملائه إلماما بقضايا الاقتصاد والتنمية والإنجاز وبناء الدولة، وأنه هو وليس غيره صاحب إنجاز الإصلاح الزراعي مشروع الثورة الأول كما أنه هو وليس غيره صاحب الدفعة الأولى والكبرى في مشروع السد العالي مشروع ناصر المفضل، وفي غير هذين من مشروعات أتاحت وهيأت لثورة 1952 قبولا، وقدمت للثورة مبررًا ومنطقا في تشجيع سلوكها وتقبل أخطائها.

 

فترته القصيرة في السلطة
عرف جمال سالم على نطاق واسع ومتصاعد في تلك السنوات، لكنه لم يبق له من ذكراه إلا أنه كان عدوا متطرفًا للإخوان المسلمين، وأنه كان له الدور الرئيسي في إعدام الفضلاء من زعماء هذه الجماعة، بمحاكمات صورية

من زاوية أخرى فإن جمال سالم يمثل نموذجا بارز للانقلابيين العسكريين الذين يقتصر وجودهم في الحياة السياسية على فترات قصيرة يتألقون فيها إلى أبعد حد) أو يتوهجون أو يشتعلون (ثم يختفون تمامًا من الصورة حتى يكاد ذكرهم ينسى، أو حتى كأنهم لم يكونوا.

 

وفي تاريخ العرب الحديث كثيرون من أمثال جمال سالم في أقطار عربية كثيرة وانقلابات عسكرية كثيرة، لكنه بين هؤلاء جميعا يمثل صورة فريدة إذ كان في موقع الرجل الثاني والثالث فقط، ولم يكن موضعه أقل من هذا ولا أكثر من ذاك! كان جمال سالم قد أصبح في موقع الرجل الثاني عقب الانقلابين اللذين أطاحا بالرئيس محمد نجيب من الموقع الأول وخصصا هذا المكان لعبد الناصر نفسه. وقد تولى جمال سالم هذا الموقع من خلال موقع رسمي أقل بروتوكوليا من نائب رئيس الجمهورية، ولكنه كان بمثابة الرجل الثاني في الدولة بالفعل نائبا لرئيس الوزراء في المرتين (فبراير – مارس 1954)، و(أغسطس 1954 – يونيو 1956)، وفيما بين ذلك كان بمثابة الرجل الثالث في الوزارة وفي الدولة بعد الرئيس نجيب وعبد الناصر فيما بين مارس 1954 وإبريل 1954 ثم أصبح الرجل الثاني في الوزارة) إبريل 1954 -أغسطس 1954) والرجل الثالث في الدولة. وقد وصل جمال سالم إلى هذا الموقع بمنطق ما قيل إنه الخضوع لأقدمية كشف الجيش يوم قيام الثورة.

 

عداوة الإخوان

عرف جمال سالم على نطاق واسع ومتصاعد في تلك السنوات، لكنه لم يبق له من ذكراه إلا أنه كان عدوا متطرفًا للإخوان المسلمين، وأنه كان له الدور الرئيسي في إعدام الفضلاء من زعماء هذه الجماعة، بمحاكمات صورية هي محاكمات محكمة الشعب التي شبهتها الكتابات التاريخية اللاحقة والمتابعات السياسية وتقارير المنظمات العالمية لحقوق الإنسان بمحاكم التفتيش التي أقامتها الكنيسة في القرون الوسطى. وقد كان هو نفسه يعتقد في أنه قد أصابته لعنة المظلومين حيث أهمه مرض السرطان بعدما داهمه، وسافر إلى ألمانيا، وظل تحت إشراف البروفسور كرواسي أخصائي جراحة المخ الذي استأصل من مخه ورما بجراحة دقيقة، لكن رحلة حياة جمال سالم تفاقمت مع المرض والانهيار النفسي والمعنوي والانعزال والاحتجاب ومحاولة التوبة واسترضاء المظلومين والدروشة أو التماسك الوجداني حتى توفي في 28 فبراير 1968.

 

تاريخه مع المواقف العنيفة

لم يكن موقف جمال سالم من الإخوان المسلمين هو أول مواقفه العنيفة فقد كان ميالاً فيما هو متداول من الأدبيات لإعدام الملك فاروق بعد تنازله عن العرش، لولا أن الرئيس نجيب كان يتمتع بالقدرة على ضبط إيقاعه، كما أنه هو أيضًا مَنْ اقترح إعدام جميع ضباط المدفعية الذين اعترضوا على تصرفات مجلس القيادة في يناير1953. كما أنه هو أيضًا مَنْ ساهم بقسوة وعنف ونزق في الصراع على السلطة بين الرئيس محمد نجيب وجمال عبد الناصر، وانحاز انحيازا مطلقًا إلى عبد الناصر، فيما عُرف بأزمة مارس 1954 ووقف بقوة ضد مناقشات سلاح الفرسان وتفاعلاتها التي ربما كانت كفيلة لمصر بالتوجه نحو حياة سياسية أفضل.

 

حرصت فيما كتبت عنه في كتابي، الذي ربما يرى النور قريبا إن شاء الله، على أن أصفه وأن أصف حياته من جانبي الصورة وباطنها، وأن أضمن الصورة كل ما قدم عنه وعن حياته بسرد علمي، وتصوير أمين، واستعراض دقيق، وتقييم أشمل، ذلك أنه بدون هذا الاستغراق في التفصيلات التي أحاطت بالمراحل الانتقالية لا يمكن أن تكتمل صورة التاريخ، ولا أن تستقيم، كما لا يمكن لأحكامنا أن تكون كما نتمناها أكثر إنصافا كما أنه لا يمكن لمعلوماتنا أن تكون أكثر إلماما..



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة