أم الثورات.. آن لها تعود

ضرب بجناحيه ضوء النجم الباهت، ألقى بثقله على بدر السماء، فتوارى القمر خلف الغيوم، ليس جبناً، وإنما اعترافا بانتصار الليل على نوره الهادئ، تأبى بعض النجوم أن تستكين، تلمع تارة وتخفت أخرى، ويستمر الليل بملاحقة النور ويبقى الضياء الثائر على كل ظلم وظلام، ليل طويل بما فيه من بكاء وحنين، وبيت تموج به الذكريات، وتطول الحكايات ويمتد الزمن إلى أزمان مديدة وأماكن عديدة.

   

دماء ودموع، وبسمات وبصمات تكلل كل حدث جرى في ذلك البيت التاريخي، أيقاس الزمان بأتراحه أم أفراحه! يقاس بالتاريخ المتروك وراءه، كأبجدية تترجم لحظاته فوق تلة الأمل، على حافة الهاوية، عال جدا حد الشرف والكرامة، هناك يقبع ذلك البيت وذاك هو زمانه! بيت من ذاك ومن سكانه؟ لف الليل كل واحدة منهن بغطاء من الذكريات، أخذت الذكريات تعبث، تروح وتجيء، فتنسج من كل ذكرى مواقف خالدة من حرق البوعزيزي نفسه إلى مظاهرات ضخمة ووعي شعبي بأهمية المرحلة وثم.. بن علي هرب 

  

تأخذ الذكريات الثورة المصرية لميدان التحرير والأصوات العالية والمطالبة العادلة والمساواة والإنصاف و.. .خُلع مبارك.. وبدأ موسم طغيان جديد من انقلاب عسكري ومذبحة رابعة واعتقالات واسعة و… مات الرئيس الشرعي، مات مرسي. أي ذكرى تلك! لتمر الذكريات على ثورة الأبطال الثورة الليبية من مظاهرات سلمية، لإجابة نداء الحرية بحمل بندقية الحق ثم … قُتل القذافي.. وانتصر الثوار، لم يدم الأمر طويلاً حتى تولى طاغية آخر من قصف وحصار للقضاء على كل وجه من أوجه الثورة النبيلة، انحدرت الدموع من (الثورة الليبية) بكت حالها، لكن الدموع جفت رويدا رويدا، لا بد من نصر

 

أنهت الذكريات رحلتها بالأم المكلومة، ذكريات تبعث الفخر، سلمية حد المثالية ورود وحياة تقابل بالموت والعنف والاعتقال والقصف وكل أنواع الدمار، وفي حين قوة، حُررت إدلب لتبقى مدينة الأحرار، وملاذ الأبطال، دب المرض بجسد الثورة، فتهاوت ضعفا، وتمايلت وهنا، لكنها لم تقع، لأنها لم تتكأ إلا على رجال الله.

 

أنا من أولئك الذي ينتمون إلى قلق المسير أكثر من طمأنينة الراحة، إلى حب النضال والكفاح المرير ؛ إلى الجبال الوعرة والطرق الدامية، أنا أنتمي للجراح الأليمة، للدماء الزاكية، لدمشق الحبيبة

حول المدفأة، تصيح الثورة الليبية: ألقميها بعض الدماء! لن يسري الدفء في عروقنا الهزيلة إلا بوهج الحق المنبعث من هذه الدماء، ترد أختها (المصرية): وهج الحق لا يكفي، ماذا لو أنه بقي مجرد وهجٍ سريع الانطفاء ضعيف الأصل، تذروه الرياح كلما اشتدت..

تستانف أخرى: الحل يا أخية! أن نعانق الموت ونندثر؟ وماذا نصنع بتلكم الدعوات الخالدة ووالمبادئ السامية!

 

تصيح الأولى: أشعلوها بالدم أو الدمع، بالصدق أو الكرامة، بأي ذكرى مازالت حية، بأي روح تواقة على قيد الشغف، بأناة وحكمة، أمهم التي تجمع المتناقضات القوة والضعف الوهن والتعب والشغف والحب والحقد والأمل، نظرت إليهن بمقل الكرامة وبصوت الحنين قالت: ‏كم المسافة بين قول الحارث بن حلزّة: "وَيَئِسْتُ مِمَّا قد شُغِفتُ به/ منها، ولا يُسليكَ كاليأسِ"، وقول المتنبّي: "وَمَا صَبابَةُ مُشْتاقٍ على أمَلٍٍ/ من اللّقَاءِ كمُشْتَاقٍ بلا أمَلِ"؟ أجابت كبرى بناتها: نفس المسافة بين الاستطاعة والاستحالة.. ترد أخرى: فلماذا يكون النصر مستحيلاً ونحن نستطيعه؟

 

تحاول الأم الكلام، لكن إحداهن تقاطعها قائلة: الإجابة بسيطة، لأن النصر عبارة عن أمر نسبي قد تكونين انتصرت عندما صاح أحدهم (بن علي هرب)، همست (ثورة تونس) بخجل: خيل إلي أن النصر بئر عميق ليس له قرار، كلما وصلتُ فيه للماء الزلال تبين أنه مجرد وهم ويستمر البحث ويبقى العناء، تكمل (ثورة مصر) حديثها مع أختها مستنكرة: من قال لكِ أن طريق النصر معبد بالورود، من أخبرك أن بلوغ الغاية بسقوط الطاغية قد كذب! طريق النصر طويل وشائك لكننا نعبره بكل الجروح والقروح لأن بعض الألم جميل وبعض الحزن نبيل.

 

تتدخل الأم (الثورة الشامية) قائلة: التدرّج هو قانون المُكتسبات في الحياة، لا يمكن لكنّ الاستحواذ على النصر دفعة واحدة.. كُل شيء يأتي بطريقة تجميع النقاط لا بالضربة القاضية، ومن استعجل شيئاً قبل أوانِهِ عُوقِب بحرمانه.. فاحذرن أردفت كبراهن (الثورة الليبية): طالما عرفنا الحقيقة وتجلت لنا بثوب التضحية والجهاد، فلا تثريب علينا أن نخمد قريبا من الغاية، أن تطوى صفحات نضالنا على أعتاب الحق، أن تسيل الدماء من كتب التاريخ عند ذكرنا، لهو نصر، اي والله، لا يضرنا غياب الحقيقة فذاك من لوازم سنة الحياة القاضية بقانون التمحيص حتى يتمايز الخبيث من الطيب، فكما قيل:

ومن عرف الحقيقةَ بعد شكٍ

سيدرك من مقاصدها الغيابا

  

في لحظة صمت، وهدوء تكلمت الأخوات بصوت واحد: هل وصلتِ للطمأنينة بعد تسع أعوام أم أنك لم تنالي سوى الإنهاك والمرض الذي نهش أطرافك وعذب فؤادك؟ ابتسامة فاتنة تعلو ثغر الشامية وتجيب: أنا من أولئك الذي ينتمون إلى قلق المسير أكثر من طمأنينة الراحة، إلى حب النضال والكفاح المرير؛ إلى الجبال الوعرة والطرق الدامية، أنا أنتمي للجراح الأليمة، للدماء الزاكية، لدمشق الحبيبة، للتراب العطر بروح الشهداء، للمقل الباكية، للدموع الحزينة، للراية المضرجة في ساحة القتال، أنا منهم وهم مني..

 

"لكل أطلاله"… لا أدري من همس بهذه الجملة، لربما كان ذلك القمر الجبان أو النجم الشجاع أو ذلك الضياء الثائر على كل الظلام، ليل طويل غطى ثوراتنا وحاول أن ينام !أنى له ذلك !في عالم موازٍ حيث يقبع طفل غادر والده للرباط واستشهد أخوه في حين صاروخ غادر ومرضت أخته من شدة المصاب .. ينظر بمقل العز إلى نجمة تراءت له من خلف السحاب، ويهتف (آن لها تعود ..).



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة