هل يميل الذوق العام في الويب إلى التفاهة؟

BLOGS مواقع التواصل

تعد مسألة الاختيار أهم مظهر من مظاهر حرية الفرد داخل كل مجتمع، وحرية الاختيار هذه يراد بها استقلال الفرد بذاته في تنفيذ إجراء يختاره من بين اختيارين أو أكثر من الخيارات المتاحة أمامه، غير مدفوع في ذلك من جهات خارجية تُصوِّب اختياره للأشياء. والحقيقة أن قضية الاختيار غير معيارية في الحد ذاتها فالاختيار على النحو الذي عرفناه سلفاً هو مفهوم نسبي يختلف باختلاف الشخص المُخيَّر كدرجة أولى من نسبيته، ثم تحت تأثير عوامل خارجية أخرى كازمن والمكان وغيرهما…، وذلك ما يفسر في بعض الأحيان ميل مجموعة من الأشخاص إلى اختيار واحد إن هم وُجدوا في المكان والزمان والحالة نفسها، ومن هذا المنطلق تأتينا فكرة توَحّد أو تطابق الاختيار داخل مجتمع معين يشترك في المكان والزمن والإيديولوجيات الفكرية المسيطرة داخله وكل العوامل الأخرى التي يمكن أن تحدث الفرق في الاختيار إن تباينت.

إن الحديث عن الاختيار بهذا المعنى لا يعدو أن يكون مجرد امتداد للذوق، ليس الذوق بمعناه المادي الضيق الذي يحيلنا على واحدة من تلك الحواس التقليدية الخمس، بل المقصود هنا هو الذوق العام الذي يعني مجموع ما يتصف به الأشخاص من صفات حسنة في اختياراتهم والتي تحملهم بالتبع على ترك ما يخرم أخلاقهم، والذوق العام كامتداد لقضية الاختيار يحمل  من نسبيتها أكثر ما تحمله هي، ويجعله كمثلها يختلف من مجتمع لآخر. نتسائل إذن بعد أن اتضحت الرؤية حول معنى الذوق العام، هل يميل ذوقنا العام إلى اختيار التفاهة؟

ثم ما هي التفاهة؟
الذوق العام يرتبط بشكل كبير بجانب من حياة الإنسان وهو المتعة فالجميع لديه هوس السعي اللامتناهي نحو المتعة فالأشياء الأكثر تحقيقاً للمتعة هي الأكثر طلباً دائماً وعقل الإنسان علمياً يميل إلى الأشياء الممتعة

قبل نقاش السؤالين أعلاه تجدر الإشارة إلى أن الذوق العام الذي نناقش في هذا المقال هو الذوق على مستوى محتويات الويب، وليس الذوق العام بمفهومه الواسع الذي يشمل كل اختيار للإنسان على مستوى جميع مجالات الحياة، ونفس الشيئ ينطبق على مفهوم التفاهة  فنقصد به تفاهة ما يستهلك في الإنترنت.

لكن ما قد يبدو لي تافهاً، قد يبدو للآخر نافعاً ثم هل التفاهة معيارية؟

الإجابة على هذا السؤال إذن هي الفيصل في تحديد نوع الذوق العام الذي نتحلى به، بالفعل قد يبدو أمر التمييز بين ما هو تافه وما هو غير ذلك صعب لكونه مفهوم غير معياري -لا يخضع لنموذج محقق- وكذا للاعتبارات السالفة الذكر في نسبية مفهوم الاختيار. لكن رغم كل هذا تبقى -في نظرنا- مسألة وضع النمودج الذي تقاس عليه تفاهة الأشياء ممكنا بل إنه ينبثق من النظام العام والأخلاق الحمدية، يصف أحد الباحثين النظام العام ويشببهه ببرج المراقبة الذي يرصد من علو كل تحرك يمكن عدّه مجانباً للجو العام الذي ترسخ وتراكم في المجتمع.

أما الأخلاق الحميدة أو الآداب العام كما يَصطلح عليها البعض، وإن كان مصدرها الوحي في الإسلام، فهي لا تتعارض مع العقل البشري وما يتفق عليه الناس في مجتمعهم وعرفهم، يعني ذلك أن ما تطابق مع النظام العام والآداب العامة بمختلف تمظهراتهما يبقى منزه على اتصافه بالتافه وعلى هذا الأساس يبقى بإمكاننا إخضاع الذوق العام كامتداد للاختيار إلى معايير تحدد مدى تفاهته ومن ثم تمييز ماهو تافه عن غيره، وتقينا في ذلك من الجدال حول نسبية مفهوم التفاهة. بل إن معيارية التفاهة يمكن أن نستنتجها كذلك بالنظر إلى القيمة والفائدة العلمية التي ينطوي عليها المحتوى كتغذية راجعة من استهلاكنا للمحتوى، فإن هي قلت -القيمة العلمية- ازدادت بالمقابل التفاهة والعكس صحيح.

ومن جهة أخرى نرى أن الذوق العام يرتبط بشكل كبير بجانب من حياة الإنسان وهو المتعة فالجميع لديه هوس السعي اللامتناهي نحو المتعة فالأشياء الأكثر تحقيقاً للمتعة هي الأكثر طلباً دائماً وعقل الإنسان علمياً يميل إلى الأشياء الممتعة وفي هذا السعي قد يختار الإنسان التفاهة كمصدر لنيل المتعة.
وانطلاقاً من كل ما سبق لا أجد حرجاً في وصف ذوقنا العام نحن في استهلاكنا للمحتويات بشتى أنواعها على الإنترنت بالتافه خصوصاً المحتوى المرئي، وفي المقابل وبالرغم من ذلك لا ننفي وجود محتويات مفيدة وهادفة تظل بصيص أمل في الرقي بالذوق العام بتشجيعها والتنويه بها، وكذا عن طريق نشر الوعي بإخضاع المحتويات إلى نموذج النظام العام والأخلاق الحميدة حتى يتسنى لنا فكها عن التفاهة.