هل بإمكان الفلسطينيين إسقاط "صفقة القرن"؟

بات في حُكم المؤكد بأن الإدارة الأمريكية مُقبلة على إطلاق ما اصطلحت على تسميته "صفقة القرن"، وربما ما يدعو للجزم بهذه الخطوة الأمريكية اثنين من المتغيرات المهمة، أحدهما يجري على الساحة الأمريكية، أما الآخر فعلى علاقة مباشرة بالكيان الإسرائيلي "وزعيمه المُطارد بفضائح الفساد والهزيمة في الانتخابات".

وفي التفاصيل، فالرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" يعيشُ أزمة حقيقية داخل البيت الأبيض وترجيحات بمغادرته له وعدم بقائه فيه بفعل الإزعاج والمطاردة التي يقوم بها الديمقراطيون بحقه، وخطوات محاكمته التي يبدو بأنها تتقدم باستمرار ولا تتوقف أمام جهود فريق الدفاع عنه "الضعيف بأدلته" أمام الموج المرتفع للديمقراطيين. وبالتالي، فالرئيس ترامب الذي لم تتغير تحركاته وتصرفاته قبل ولوجه البيت الأبيض، بقيت على نفس الأسلوب "الاقتصاد والصفقات والمصالح"، لذلك وفي خضم معركة الملاحقة القضائية التي يتعرض لها، وتضاؤل الحظوظ بولايةٍ ثانية، كان لا بُد من إلقاء ورقته الأخيرة التي يلعب من خلالها على وتر اللوبي الصهيوني "رافع أو خافض" للطامحين بدخول البيت الأبيض، وهو بذلك يُحاول اللعب على وتر الهروب من المحاكمة وضمان التجديد لولاية رئاسية ثانية.

المنطقة تغلي على صفيح ساخن، والتحرك الأمريكي هذه المرة يبدو أنه جديٌ للغاية، فالمطلوب تحرك عاجل لمواجهة أي إجراءات أو تحركات أمريكية وإسرائيلية وغيرها، لن تشفع البيانات أو الشجب والاستنكار لنا

على الجانب الآخر، فالكيان الإسرائيلي "الابن المُدلل" للولايات المتحدة الأمريكية، يعيش أزمةً حقيقية، تتعلق في تهديدات انهيار النظام السياسي، ولعل أبرز تجليات ذلك في التالي:
1- الكيان الإسرائيلي لم ينجح في تجاوز أزماته السياسية بعد الانتخابات الثانية، وهو ذاهبٌ للانتخابات الثالثة في أقل من عامٍ واحد. وتلك أزمة لم تحدث منذ تأسيس الكيان، بل إن كل التوقعات توحي بأنه لن ينتج أي اختلاف عن نتائج الانتخابات الماضية.
2- خبراء الكيان الإسرائيلي يُدركون أن أفضل من يقود كيانهم في الوقت الراهن هو "بنيامين نتنياهو" زعيم حزب الليكود، ورغم ذلك فالمزاج الشعبي يُصوِّت لغيره. وهذا يضعُ مصير الكيان الإسرائيلي أمام واقع انقسامٍ غير مشهود منذ تأسيسه.
3- يتعرض "نتنياهو" لحالةٍ من السقوط المدوي، خاصةً بعد فضيحة قضايا الفساد التي باتت تُلاحقه وأفراد عائلته، ومسألة منح الحصانة من عدمها والكثير من هذه الإشكاليات.

للخروج من هذا الواقع المأزوم داخل الكيان الإسرائيلي، بات "نتنياهو" يلعب على وتر التطبيع مع البلدان العربية "والذي للأمانة فعل فيه ما لم يفعله زعماء (إسرائيل) كافة"، وبات يُلوِّح بضم الأغوار، ويُشيد من قبل هذا وذاك بما حققه من أمن للجمهور الإسرائيلي بفعل التنسيق الأمني ودون أي مقابل أو تكلفة يتحملها جيشه. هي محاولات يسعى من خلالها لاستمالة الناخب لاختياره لفترة جديدة، لكنها محاولات يبدو أنها غير كافية لإقناع الناخب الصهيوني. أمام هذا الواقع، يظهر "ترامب" قادماً من بعيد، يدفعُ سفينةَ النجاة لصديقه الحميم "نتنياهو" ولنفسه كذلك، والسفينةُ على متنها متاعٌ أصحابه أهل فلسطين والمسلمين كافة، ساعياً من خلال ذلك لدفع الناخب الإسرائيلي لاختيار "نتنياهو" كأعظم شخصٍ يقود كيانه ويُنقذه من الانهيار في ظل تحديات هي الأشد عليه منذ تأسيسه!

يبرز السؤال المهم من أهل الحق: وهل بإمكاننا إسقاط صفقة القرن؟ وللإجابة على هذا السؤال فلا بُد من الرجوع إلى الوراء، وتقليب صفحات التاريخ قليلاً، فحتماً من الماضي نستحضر ملامح المستقبل. أمام كل الأزمات التي واجهت الفلسطينيين، كانت خيارات الفلسطيني تنحصرُ في أمرين لا ثالث لهما: إما التسليم بالأمر الواقع والخضوع والخنوع لإرادة المحتل "وهذا ليس من شيمة الفلسطيني"، أو مقاومة قراراته ورفضها ومواجهتها بكل ما أوتي من قوة "وإن كانت لا تكادُ تّذكر في مواجهة قوة الاحتلال وحلفائه". وذلك المعتاد للفلسطيني، فالمحتل على مدار إنشاء "كيانه" على أرض فلسطين لم يأخذ تسليماً بوجوده من أهلها.

في الحالة الفلسطينية الراهنة، بإمكان الفلسطينيين توحيد الموقف والقرار والفعل، لكن الوقت الذي أمامهم ليس كبيراً لانتظار المزيد من الوقت. خطوة السيد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي بدعوة الفصائل الفلسطينية للاجتماع في القاهرة وتجاوز أزمات وإشكاليات الماضي، خطوة في الاتجاه الصحيح أمام الضغوط الكبيرة التي تستهدف القضية الفلسطينية، لكنها غير كافية. الفصائل الفلسطينية كافة باستثناء حركة "فتح" رحبت بدعوة هنية، لكن الترحيب من الجميع لا يكفي، وانتظار الرد من قبل حركة "فتح" أمام سيف الوقت لن يرحمنا إن أصرت "فتح" كعادتها في دعوات سابقة على تجاهل قرار الإجماع الوطني.

المنطقة تغلي على صفيح ساخن، والتحرك الأمريكي هذه المرة يبدو أنه جديٌ للغاية، فالمطلوب تحرك عاجل لمواجهة أي إجراءات أو تحركات أمريكية وإسرائيلية وغيرها، لن تشفع البيانات أو الشجب والاستنكار لنا، ولن نُفلح من خلالها فقط في إسقاط الصفقة. ينبغي أن يكون الفعل لنا بحجم هذا التحدي الكبير، بل يجب أن نجعل من فعلنا في حال تم إصدار القرار الأمريكي دافعاً لإسقاط نتنياهو وترامب وإزالتهم من المشهد السياسي بالكامل. إن المنطقة يجب أن تتحوَّل إلى بركانٍ يتفجر في كافة الأراضي الفلسطينية، ويحرق كل من جاءها سارقاً ومحتلاً، أما البقاء في حالة انتظار لرد السلطة الفلسطينية أو حركة "فتح" فلن يرحمنا أمام التاريخ، كثيراً ما خذلتنا "فتح" في محطاتٍ مهمة وهي صاحبة التقديس للتعاون والتنسيق الأمني مع المحتل الصهيوني، فهل ستوافق معنا هذه المرة "بشكل عملي وليس إعلامي" في إسقاط صفقة القرن؟



حول هذه القصة

لم يترك هذا الكشف المدوّي لإسرائيل فرصة التباهي بسجلها الطويل في الاغتيالات، خصوصاً أنه تم الكشف في نهاية الشهر الماضي عن مجموع اغتيالات إسرائيل خلال 71 عاماً، وبلغ 2700 عملية.

تنطلق الصفقة في مرحلتها الأولى من رعاية أمريكية تعيد الثقة لمسيرة التسوية وتحقق وجود الضامن المفقود. مع التزام كامل بمبدأ حل الدولتين، مع إقرار “إسرائيل” بحدود فلسطينية بدولة منزوعة السلاح.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة