شعار قسم مدونات

لقيطة اسطنبول.. عندما تضيع بين الماضي والحاضر

blogs لقيطة اسطنبول

لا يجوز أن تلعني أي شيء يهطل من السماء، حتى لوكان مطرا، هكذا بدأت إليف شفق روايتها لقيطة استانبول في يوم الجمعة الذي قررت فيه زليخة إجهاض حملها غير الشرعي، فبدأت اليوم تلعن وتسُبّ كل من صادفته في طريقها حتى الطبيب الذي لم يُتِم عملية الإجهاض والمطر الذي بدأ بالهطول فجأة، ثم تذكرت وصية جدتها ما-الهيفاء التي تقول لها دائما بأنها لا يجوز أن تلعن أي شيء يهطل من السماء حتى لو كان مطرا، لكن ذلك اليوم لم يكن يوما عاديا بالنسبة لزليخة لذلك استمرت في لعن كل شيء حتى المساء.

    

تحكي الرواية قصة اسيا الفتاة اللقيطة في عائلة تركية محافظة تتكون من النساء فقط بعد مغادرة الرجل الوحيد في العائلة إلى أمريكا بدون عودة، فمنذ نعومة أظافرها وهي تُنعت باللقيطة دون أن تفهم معناها وعندما فهمت سألت من حولها عن والدها وسرعان ما تعرف أن لا أحد يعرفه سوى أمها زليخة، وأنه لا فائدة من طرح السؤال مجددا لأن أمها لن تبوح بهويته مهما حصل. ترعرعت اسيا ثائرة على كل نساء البيت وثائرة على قدرها الذي حكم عليها أن تكون لقيطة في استانبول، تكره كل الرجال وأولهم والدها المجهول تُأمن بأن كل الكون يعيش في العبثية ولما عليها التقيد بالدين والقواعد في عالم عبثي كالذي تعيشه؟ اسيا هي أصغر امرأة في عائلة قازنجي التي تتكون من نساء مختلفات ومتناقضات يتعايشن تحت سقف واحد ويتشاركن نفس المائدة، فتتساءل الفتاة ذات 19 ربيعا كيف استطعن العيش تحت سقف واحد؟ وكيف يجتمعن على مائدة واحدة وكل واحدة منهن غارقة في بؤسها ومُعتقداتها الخاصة؟ تلتقي اسيا بآرمنوش فتاة أمريكية من أصول أرمينية تأتي إلى استانبول للبحث عن أصول عائلتها وتحقيق الوصال مع جذورها، فتحل آرمنوش ضيفة في بيت عائلة قازنجي فترة من الزمن وتصبح صديقة لاسيا، مع توالي الأحداث تتقاطع قصة العائلتين بين الماضي والحاضر لتبدأ الكثير من الأسرار في الانكشاف.

 

تُعتبر الرواية بداية جيدة للغوص في التاريخ الحديث لمحاولة فهم ما الذي حصل في تلك الفترة؟ وهل الأرمن هم من انشقوا وثاروا وحاولوا زعزعة أمن الرجل المريض؟

بين عائلة أرمينية مسيحية مهاجرة تعيش في أمريكا ساخطة على الأتراك حبيسة في ذكريات الماضي يمنعها الألم والشعور بالتهميش من العودة إلى مسقط رأسها، وعائلة تركية مسلمة تتكون من نساء مختلفات في كل شيء يجمعهن رابط الدم فقط، تتشابك الأحداث والشخصيات بين تركيا وأمريكا وبين الماضي والحاضر، بين الألم والأمل وبين الذكريات التي يأبى العقل أن ينساها فكلما حاول المرء نسيان شيء يصبح هو ظلّه ويزداد التصاقا به وبعقله وكل كيانه، هكذا كانت كل شخوص الرواية الكل يحاول الانفصال عن الماضي القريب والبعيد ولكن هيهات هيهات، فمهما توهمت أنك نسيت تُهاجمك الذكريات دفعة واحدة كأنها حدثت قبل لحظات فقط، فتدرك أن العشرين سنة الماضية كأنها البارحة وأنه لا سبيل للخلاص من كل ذلك الثقل الذي يجثم على صدرك.

   

تثير الكاتبة الكثير من القضايا أهمها مجزرة الأرمن التي حدثت سنة 1915م قبل سقوط الخلافة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني بسنوات قليلة، وقتل وتهجير الأرمن الذين عاشوا في سلام مع المسلمين تحت راية الحكم العثماني لقرون طويلة ليجدوا أنفسهم مطرودون من أرضهم ومشتتين لا يعرفون ما مصيرهم، وحتى بعد قيام الدولة التركية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك لم تعبأ لهم وتعتذر على المذبحة التي أقيمت في حق المئات منهم، فظلوا مهمشين وضائعين بين الماضي والحاضر حانقين على كل الأتراك. كما أن الكاتبة سلطت الضوء على واقع المجتمع التركي في فترة صدورها سنة 2006م من خلال شخوصها في عائلة قازنجي فالعائلة جمعت الجدة والأم المتشبثتان بالتقاليد والعادات والخالة المتدينة المحتجبة والمواظبة على الصلاة وتلاوة القران والخالة التي تفتخر بالقومية التركية الحديثة والخالة الثائرة على الدين والله والابنة الثائرة على كل ما سبق فهي لا تأمن إلا بعبثية الكون والأشخاص.

  

تُعتبر الرواية بداية جيدة للغوص في التاريخ الحديث لمحاولة فهم ما الذي حصل في تلك الفترة؟ وهل الأرمن هم من انشقوا وثاروا وحاولوا زعزعة أمن الرجل المريض؟ أم أن الدولة العثمانية ظلمتهم بقتلهم وترحيلهم خارج حدودها لأسباب سياسية وعرقية؟ وماذا عن الدولة التركية العلمانية هل حاولت الاعتذار عما صدر وتعويض الأرمن المضطهدين من أرضهم؟ أم أنها انفصلت عن ماضيها العثماني وبدأت من النقطة التي وُلدت فيها لا يهمها ما الذي حصل قبل ذلك.

   

لقيطة استانبول هي ثالث لقاء لي مع الكاتبة إليف شفق من خلال رواياتها فقد قرأت قبلها قواعد العشق الأربعون وبعدها شرف، لا أنكر أن الروايات الثلاث سلّطن الضوء على مجموعة من القضايا المهمة عن التصوف وقصة جلال الدين الرمي وشمس الدين التبريزي وعن الأكراد وجرائم الشرف وعن قضية الأرمن، تُعتبر رواياتها بداية جيدة للبحث في الكتب التاريخية والتقصي عن القضايا التي تطرحها، كما أنها مختلفة عن موجة الروايات الرائجة في هذه الأيام لاتسامها نوعا ما بالواقعية والحبكة الأدبية التي تحمل بصمة الكاتبة، رغم أنني لا أتفق مع الكثير من أفكارها إلا أنني أرى أن رواياتها تستحق القراءة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.