قناة اسطنبول.. حلم أردوغان المثير للجدل

على الرغم من تسارع الأحداث الهامة على الصعيد الخارجي والداخلي في تركيا، إلاَّ أنّه ما زال مشروع قناة إسطنبول يحتل مانشيتات الصحف التركية، ويثير جدلاً واسعاً في الأوساط التركية الداخلية، المشروع الّذي أُطلق عليه في تركيا اسم "مشروع أردوغان الجنوني" وقد وصفته المعارضة على لسان رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو بالخيانة والجريمة بحق المدينة وسكّانها، بينما قالت عنه الحكومة أنّه "مشروع العصر" والعمل الأضخم الَّذي سيتم إنجازه في تاريخ الجمهورية التركية.

  

يهدف المشروع إلى إنشاء ممرّ مائي غرب مطار إسطنبول الجديد، في موازاة مضيق البوسفور، يربط بين بحر مرمرة والبحر الأسود، يقسم الجزء الأوروبي من المدينة إلى قسمين جاعلاً من الجزء الشرقي من القسم الأوروبي جزيرةً وسط قارتي آسيا وأوروبا؛ هي الأكبر في العالم، ستكون القناة بطول 45 كيلومتر، وبعرض 150 متر، وعمق يتراوح بين 20-25 متر، وستتمكن من خلق 10000 فرصة عمل، وأيضاً سيقام فوقها لربط الجزئين المنقسمين ببعضهما 8 جسور وعلى جوانبها سيتم إنشاء وحدات سكنية جديدة للحد من مشكلة الكثافة السكانية المتزايدة، والتي تعاني منها إسطنبول بشكل كبير، وستبلغ قيمة المشروع ما يقارب 75 مليار ليرة تركية.

 

فكرة المشروع لا تعود للحزب الحاكم، ولا للرئيس رجب طيب أردوغان كما توحي أحزاب المعارضة، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري (Chp). فالفكرة صاحبة جذور ضاربة في التاريخ، تعود للقرن السادس عشر. فقد طُرحت مثل هذه الفكرة في فترة حكم السلطان سليمان القانوني مع وجود اختلاف بينهما لكن الهدف كان ذات الهدف؛ وهو إنشاء ممرّ مائي يربط بين بحر مرمرة والبحر الأسود، ثمَّ عادت فكرة القناة إلى واجهة الأحداث بمقترح "لبولنت أجاويد" قبل الانتخابات المحلية في عام 1994، وعُرف المشروع باسم "مشروع ميغا" حينها، ليغيب بعدها حتى إعلان أردوغان عنه عام 2011، فعلى ماذا تستند المعارضة، وما هي حججها في رفض المشروع، وتجيّش الرأي العام ضدها؟

 

عَقد رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو مؤتمراً صحفياً خصيصاً لمعارضة مشروع "الكارثة" على حد وصفه، وقد سبَّبَ رفضه له بعشر نقاط رئيسية، مبنية كما قال على دراسات علمية ومشاورات مع خبراء مختصين. اجتمعت جميع آراءهم على أنَّ حفر القناة سينتج عنه ضّرر كبير على المدينة، متجاهلين ما قامت به الحكومة التركية من مشاورات ودراسات كثيرة قبل الإقدام عليه.

   

  

وقد صرّحت على لسان وزير البيئة، أنّها لأجل تقييم التأثير البيئي للقناة، قامت بسلسلة من المباحثات والاجتماعات مع أكثر من 50 جامعة ومنظمة مختصة غير حكومية، لتنفيذ المشروع بطريقة تضمن الحفاظ على التوازن البيئي والجيولوجي، وقد أجاب جميعهم بالإيجاب، حتَّى وزارة البيئة والعمران، أعطت موافقتها على المشروع بناءً على التقييمات التي حصلت عليها من خلال تقرير استمر إعداده عاماً كاملا، وقد لجأت المعارضة بعد فشلها في إيقاف المشروع أو دحضه بحجج منطقية، إلى تهديد الشركات والمتعهدين بإيقاف المشروع عند قدومهم لسدة الحكم.

 

بعد هذا المدّ والجزر.. يجب أن يُطرح سؤال: ما فائدة ممرّ قناة إسطنبول المائية؟ وما الحاجة لها؟ لا سيما أنَّ الإحصاءات في السنوات الثلاث الأخيرة، تظهر أنَّ عدد السفن التي تعبر من مضيق البوسفور قد قلَّ في السنوات الثلاث الأخيرة، ولو بنسب خجولة.

 

أهم أسباب الحاجة للمشروع الجديد، أنّه سيقلل من احتمالية وقوع أيّ تصادم في المستقبل. كاصطدام إحدى الناقلات أثناء عبورها من المضيق بقصر

يُعتبر مضيق البوسفور أخطر ممرّ بحري في العالم، بسبب الأعداد الكبيرة من السفن والناقلات الضخمة التي التي تعبر من خلاله. فقد بلغ مجمل عددها سنوياً إلى 42 ألف سفينة، بمعدل 115 سفينة يوميا، وهذا ما يسبب ازدحاماً كبيراً في مياه المضيق، ويضطَر السفن للانتظار 14 ساعة، ويطول وقت انتظار الناقلات الضخمة والتي تحمل مواد خطرة ليصل إلى 30 ساعة، حتَّى تمر عبر مضيق البوسفور، وطبعاً انتظار مثل هذه السفن يكلّف الكثير، ويرفع من الأعباء والخسائر الاقتصادية، ممّا سيجعل السفن تفضل العبور من قناة اسطنبول الجديدة لأجل تفادي تكلفة الانتظار الكبيرة.

 

وهذه ورقة الحكومة التركية الرابحة، والتي تعتمد عليها لجذب السفن والناقلات إلى القناة الجديدة، فهي لا تملك الصلاحية التي تمكّنها من إجبار السفن على العبور من ممرها الجديد، ولكن توفر لهم فرص تفادي تكلفة الانتظار الباهظة، وتدع لهم حرية الاختيار، وهكذا تكون قد خففت من الضغط الكبير على مضيق البوسفور، ومن الازدحام المروري الخانق الّذي أدى في السنوات الثلاث الأخيرة إلى حدوث أكثر من 50 حادث في المضيق.

 

فأهم أسباب الحاجة للمشروع الجديد، أنّه سيقلل من احتمالية وقوع أيّ تصادم في المستقبل. كاصطدام إحدى الناقلات أثناء عبورها من المضيق بقصر "حكيم باشي أفندي التاريخ الذي يقع على إحدى ضفاف المضيق، وأيضاً يمنع تكرار مأساة "independentta" التي أشار إليها الرئيس أردوغان في معرض حديثه عن أهمية الممرّ المائي، وهي أكبر حادثة اصطدام وقعت حتَّى تاريخ اليوم في مضيق البوسفور، وكان لها آثار كبيرة. فقد اصطدمت ناقلة تحمل 96 ألف طن من البترول الخام بناقلة أخرى عام 1979 ممّا أدى لتسرب البترول وتلوث المياه، ووفاة 43 شخص، وانفجار ضخم بقيت نيرانه مشتعلة 27 يوماً في وسط البحر.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة