ما مسؤولية النظام الإيراني في إسقاط الطائرة الأوكرانية؟

قبلت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية المسؤولية عن إسقاط أحد أنظمة الدفاع الجوي التابعة للحرس الثوري الإيراني لطائرة الركاب الأوكرانية. وقالت هيئة الأركان العامة في بيانها أن حادثة سقوط الطائرة الأوكرانية، التي راح ضحيتها ١٧٦ شخص، قد حدثت بسبب خطأ بشري غير متعمد. الغريب في الأمر، أن كبار المسؤولين العسكريين الإيرانيين نفوا بشدة أي استهداف صاروخي للطائرة الأوكرانية في الأيام الأربعة الماضية. وبذل مسؤولو النظام الإيراني قصارى جهدهم لإنكار أي مسؤولية تقع على عاتق النظام الإيراني فيما يتعلق بإسقاط هذه الطائرة.

لكن على ما يبدو، أن ما دفع سلطات النظام الإيراني في النهاية إلى تحمل المسؤولية عن سقوط الطائرة هو الضغط الدولي الكبير المطبق من قبل الدول الأخرى. وفي نهاية المطاف، اضطر النظام الإيراني لتقبل المسؤولية بسبب الملاحقات القضائية للمحاكم الدولية، لا سيما محاكم الحكومات الثلاث في أوكرانيا وكندا والولايات المتحدة. الحكومة الأوكرانية، بصفتها مالكة الطائرة، التي أقلعت رحلتها من خطوطها الحوية، تسعى إلى توضيح الجوانب المختلفة لسقوط الطائرة. وفي الوقت الحالي، قال الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي إنه يريد اعتذاراً رسمياً من إيران، ودفع تعويضات لأسر الضحايا، ومحاكمة المذنبين. وساعدت الحكومة الأمريكية أيضاً في إظهار الأدلة التقنية والتكنولوجية المتعلقة بإسقاط الطائرة على يد النظام الإيراني.

أظهرت هذه الكارثة الإنسانية أن هناك خطأً منهجي في نظام الدفاع الجوي الإيراني، وشبكة قيادة القوات المسلحة الإيرانية بشكل عام. كما أظهرت أيضاً أن نظام الدفاع الجوي الإيراني يعاني من ضعف في القيادة والتنسيق

كما أعلنت الحكومة ورئيس الوزراء الكندي عن مسؤولية النظام الإيراني بإسقاط الطائرة الأوكرانية، وأكدوا على سعيهم في متابعة هذه القضية. إن تجربة النظام الإيراني في إنكار مسؤوليته عن مقتل المحتجين الإيرانيين في انتفاضة شهر نوفمبر الماضي، وعدم إعلانه حتى الآن عن إحصائيات القتلى والمعتقلين، بعد مضي حوالي الشهرين، يثبت أن حكومة النظام الإيراني تحاول إخفاء الحقائق عن الرأي العام الدولي قدر المستطاع، وأنها تسعى دائماً لعدم الاستسلام بسهولة أمام الضغوط الدولية. لكن في حالة الطائرة الأوكرانية، اضطر النظام الإيراني إلى قبول المسؤولية عن إسقاطها في نهاية المطاف، وذلك بسبب الأدلة العديدة المتاحة والضغوطات الدولية المكثفة.

المسؤولية المشتركة لقادة النظام الإيراني

سعى بيان هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية بوضوح لإظهار حادثة سقوط الطائرة الأوكرانية على أنها خطأ إنساني منحصر في وحدة الدفاع الجوي التي أطلقت الصاروخ، وتحدث البيان بأنه سيتم إحالة مرتكبي هذا الخطأ للمنظومة القضائية الخاصة بالقوات المسلحة. وفي الواقع، ألقى إعلان هيئة الأركان العامة اللائمة والمسؤولية على وحدة منفردة تابعة لوحدات الدفاع الجوي الخاصة بالحرس الثوري الإيراني، في حين أن المسؤولية العليا والمشتركة عن هذه الكارثة الإنسانية، وفقاً للمسؤوليات والصلاحيات القانونية، تقع على عاتق كل من:

– علي خامنئي، المرشد الإيراني والقائد العام للقوى الثلاث (البرية والجوية والبحرية).
– حسن روحاني، رئيس الجمهورية.
– وزير الطرق والتنمية الحضرية، بصفته مسؤولاً أعلى عن الطيران المدني، سلطات الطيران المدني الإيراني، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، قادة قوى الدفاع الجوي التابع للحرس الثوري الإيراني، قائد قاعدة الدفاع الجوي خاتم الأنبياء، وغيرهم..

لماذا؟!

في الوقت الذي كانت فيه أنظمة الدفاع الجوي الإيراني في حالة تأهب قصوى، وعلى استعداد تام لإطلاق النار، بعد الهجوم الصاروخي للحرس الثوري الإيراني على القواعد الأمريكية في العراق، كان يتعين على المسؤولين الحكوميين والقوات المسلحة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية أرواح المدنيين. فإذا كانت حماية المدنيين تقتضي إلغاء جميع الرحلات الجوية المدنية في ظل هذه الظروف العصيبة، كان من واجبهم إلغاء هذه الرحلات الجوية على الفور. وحتى لو كان المسؤولون الحكوميون والقادة العسكريون واثقون من سلامة وأمن الطيران، فإن السؤال هو لماذا لم يستوفوا متطلبات التنسيق بين الطيران المدني ووحدات الدفاع الجوي التابعة للحرس الثوري الإيراني حتى لا تحدث مثل هذه الكارثة؟!

إن إجراء كل هذا التنسيق والتعاون لم يكن مهمة وحدة أو كتيبة أو لواء دفاع جوي واحد، بل هو مسؤولية السلطات الحكومية، وقادات في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والجيش الإيراني، والحرس الثوري الإيراني، وشبكات الدفاع الجوي التابعة لهم. صحيح أن مسؤولية وحدة الدفاع الجوي تتلخص في التمييز بين الطائرات العسكرية والمدينة، لكن هذا الأمر لا يرفع المسؤولية كاملةً عن المسؤولين السياسيين والعسكريين في إيران. بل إن توجيه أصابع الاتهام نحو وحدة دفاع جوي واحدة هو بمثابة تضليل للرأي العام وتشويه للحقائق.

من ناحية أخرى، أظهرت هذه الكارثة الإنسانية أن هناك خطأً منهجي في نظام الدفاع الجوي الإيراني، وشبكة قيادة القوات المسلحة الإيرانية بشكل عام. كما أظهرت أيضاً أن نظام الدفاع الجوي الإيراني يعاني من ضعف في القيادة والتنسيق، والتقنيات التكنولوجية ربما. إن مثل هذا الخطأ الفادح لم يشكك فقط في المصداقية المهنية لشبكة الدفاع الجوي الإيراني، التي أنفق عليها مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة، بل هزت أيضاً ثقة أنصار النظام الإيراني في الداخل بمنظومته الدفاعية التي تعاني من عيوب خطيرة.

وفي نهاية الأمر، على الرغم من الكذب الجماعي والمستمر لمدة أربع أيام لمسؤولي النظام الإيراني، وإنكارهم مسؤوليتهم في إسقاط الطائرة الأوكرانية، لم يعتذر رسمياً أي من خامنئي المرشد الإيراني، أو حسن روحاني، أو هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، في بياناتهم ومواقفهم، عن إسقاط الطائرة الأوكرانية حتى الآن، وجلَّ ما تحدثوا عنه هو إظهار أسفهم وتعازيهم لأسر الضحايا، في حين يطالب الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي باعتذار رسمي من النظام الإيراني، ودفع تعويضات لأسر الضحايا، ومحاكمة المذنبين. ما يدفعنا للسؤال، إذا واصل المسؤولون الإيرانيون الكذب والإنكار لمدة أريع أيام متواصلة على مرأى ومسمع من الرأي العام المحلي والدولي، ما الضامن أنهم قالوا الحقيقة كاملةً لنا، أو أنهم لن يكذبوا في المستقبل؟



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة