صفقة القرن إلى أين؟

صفقة القرن مصطلح تردد سابقاً في عام 2006م عبر ما عُرف بـ "عرض أولمرت" أو "تفاهمات أولمرت وعباس"، وما تسرب حينها بأنها "اتفاقيات رف" تنتظر الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها، في ظل سقوط في حدود 1967م حل الدولتين يوجد عود على بدء إلى ما قبل أوسلو في أجواء استنساخ أو استحضار لروايات السيناريو المأمول إسرائيلياً عبر مشاريع التوطين منذ خمسينات القرن الماضي، حين كان مشروع توطين (60) ألف فلسطيني في سيناء عهد عبد الناصر ونجحت غزة في إفشاله، ومشروع آلون للتوطين في سيناء.

 

تنطلق الصفقة في مرحلتها الأولى من رعاية أمريكية لا لبس فيها تعيد الثقة إلى مسيرة التسوية وتحقق وجود الضامن المفقود. مع التزام كامل بمبدأ حل الدولتين، مع إقرار لـ (إسرائيل) بحدود فلسطينية بدولة منزوعة السلاح بعد ابتلاع نصف الضفة الغربية، وتعاد قراءة الحدود ومشروع تبادل الأراضي وفق خارطة باراك (1.9%) أم أولمرت (6.5%) أو خارطة جديدة قد تصل إلى (12%)، يقابل ذلك التزام إسرائيلي بوقف الاستيطان خارج "الكتل الاستيطانية"، مع الالتزام الدولي والعربي بالرعاية للاقتصاد الفلسطيني، مع إعادة النظر في اتفاق باريس الاقتصادي، وتستمر السلطة بمنع العنف والتحريض، ويستمر التنسيق الأمني عبر إشراف طرف ثالث (أمريكا)، مع السماح للجيش الإسرائيلي بالعمل في الضفة، وتسعى السلطة إلى توحيد الصف الفلسطيني، وتستمر عملية إعمار غزة وإقامة ميناء (ربما عائم) مع ضمانات أمنية، ويتم العمل على نزع سلاح غزة وتدمير الأنفاق (كسر شوكة غزة)، وحال تحقيق السلطة هذه الشروط من الممكن السماح لها بالإعلان عن دولة في حدود مؤقتة، مع بسط السيطرة على مناطق ب في الضفة وتدرس (إسرائيل) السماح بمشروعات حيوية في الضفة مثل مطار، يمهد ذلك لمفاوضات مباشرة سقفها الزمني عشر سنوات وصولاً إلى السلام النهائي. وخلال هذه الفترة الزمنية (المرحلة الأولى) تعلن دول الإقليم أنها جزء من هذا المشروع، وتبدأ بتدشين تعاون شرق أوسطي في شتى المجالات الحيوية وعلى رأسها الأمن ضمن إطار موحد.

 

الطريق إلى تنفيذ صفقة القرن ليس سهلاً، والموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي الرافض للتوطين سالفاً يرفضه أيضاً اليوم ضمن صفقة تبادل الأراضي، وتبدو سيناريوهات التنفيذ لا تقل خطورة عن المشروع ذاته لصعوبة استجابة الشعب الفلسطيني

هذه خطوات ضرورية تراها أمريكا ممهدة لصفقة القرن بإحياء "عملية السلام" على قاعدة أن "عباس أفضل الخيارات"، ومن هنا كانت إعادة فتح الأبواب أمام عباس، والدعوة للقاء سريع مع نتنياهو ومن ثم فتح حوار أمريكي لصياغة رؤية مشتركة حول "غزة الشوكة"، والذي قد يقود إلى جهود متجددة "لإنهاء الانقسام" الفلسطيني على قاعدة التمهيد لمشروع "غزة خالية من حماس وسلاحها" على قاعدة "تبادل الأراضي"، والذي يعتبر الخطوة الثانية الرئيسة في الصفقة.

 

المرحلة الثانية لـ "صفقة القرن" ذاهبة باتجاه مشروعي يوشع وآيلاند بغض النظر عن مساحات أراضي التبادل، حيث يتنازل الفلسطينيون عن مساحة متفق عليها من الضفة (الكتل الاستيطانية) وجزء من الغور، ومقابلها نظيرتها من أراضي النقب بموازاة حدود غزة، (إسرائيل) عينها على أرض يهودا والساهرة، حيث تحتفظ بـ "المدن الاستيطانية" إضافية من أرض الضفة والتي وصفها باراك "المساحة الحيوية"، وكثير منها أراضي دينية وفق الفقه اليهودي، وتتجاوز ما حققته في الجدار العازل، وهذا يسمح بتقليص عدد المستوطنين الواجب إخلاؤهم إلى بضعة آلاف ستحاول (إسرائيل) تجاهل توفير (ممر آمن) بين الضفة وغزة مع ضمانات عالية لن يشكل لها تهديد، والأهم من ذلك تحقيق صفقة شاملة مستوى الضمان فيها عالي.

 

ليس خافياً مستوى الدعم الأمريكي الترامبي للأطماع الإسرائيلية ونتنياهو تحديدا والمتجسد بنقل السفارة للقدس واعتماد القدس اليهودية عاصمة والفلسطيني بحاجة لإذن صلاة في الأقصى، مع تقريب ترامبي يفوق المعقول والمحتمل لليمين الصهيوني المتطرف في المناصب العليا. وفي المقابل يحمل ترامب السلطة مسؤولية نشر الكراهية لذلك كانت رسالته الواضحة في استضافة عباس بوقف التحريض على الكراهية ووقف مخصصات الشهداء والأسرى. بل إن أمريكا تاريخياً ومنذ اغتصاب فسلطين 1948م دعت إلى التوطين، واليوم يقف ترامب متحمساً لـ "صفقة القرن" فضلاً عن مجاراة هذه الصفقة للاتجاهات الجديدة في العالم والقائمة على حلول متعددة الأطراف على أساس ربحي واقتصادي، فالعالم يدفع مليار دولار سنوياً للفلسطينيين وهذه مبالغ ليست بعيدة عن لعاب ترمب لتحقق أرباح وتساهم في تدشين كافة بنود صفقة القرن رغبا أو رهبا.

 

الطريق إلى تنفيذ صفقة القرن ليس سهلاً، والموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي الرافض للتوطين سالفاً يرفضه أيضاً اليوم ضمن صفقة تبادل الأراضي، وتبدو سيناريوهات التنفيذ لا تقل خطورة عن المشروع ذاته لصعوبة استجابة الشعب الفلسطيني الذي قاوم التوطين وأكيد سيقف ضده اليوم وغداً، وربما يذهب هذا بأرباب المشروع نحو خيارات عنيفة. وبالتأكيد مثل هذا السيناريو يحتاج بيئة تتمثل في إدارة دولية وغطاء أمريكي غير مسبوق منحت ضوءاً أخضر للقيادة الصهيونية اليمينية مع صمت عربي، وسيساهم مشهد حمامات الدم العربية المتناثرة دافعاً لليمين الصهيوني لمذابح جديدة تشكل ضغطاً نحو الانصياع للصفقة. أو رغبا بالإغداق المالي كمساعدات ليتحول وجود سدنة الصفقة المؤقت تدريجياً إلى استقرار.

 

ومشهد غزة المحاصرة عبر أكثر من عقد من الزمن وما مثله من حالة اقتصادية بائسة ورغبة متزايدة للشباب بالهجرة، والبعض يرى أن مزيد الضغط الذي يستهدف غزة اقتصادياً اليوم عبر قرارات خصم الرواتب والتقاعد المبكر وقطع مخصصات الشهداء والأسرى ووقف التزويد بالكهرباء وقرارات أخرى أنها ستأتي في ذات السياق الممهد لصفقة القرن والتي تمهد لـ(إسرائيل) بُشطب مسار التسوية للأبد. المقاومة تنال الشرعية الحاسمة، وأن صمود الشعب الفلسطيني سيُفشل السيناريو، وربما البيئة في العالم المصاحبة للجرائم قد لا تسمح بالاستمرار ولا تمنح غطاء لمن يرغب التعاون مع الاحتلال في إنفاذ العدوان، فضلاً عن مزيد كشف لوجه الاحتلال المجرم مما يسبب مزيد عزلة وفشل الخيار الثاني الأكثر هدوءً فيتمثل في قبول الأنظمة العربية بصفقة التصفية وذلك لانشغال الأنظمة في أزماتها، فضلاً عن بحثها عن استقرار انظمتهم ولو على حساب فلسطين، حيث يُزين لهم أن بوابة هذا الاستقرار العلاقة مع الكيان والإذعان للمصارع ترامب.

 

وحال الشعوب والأحزاب العربية لا يقل سوءاً عن الأنظمة فحالة غياب شبه كامل لدورها، فضلاً عن أجواء اليأس والإحباط، كل ذلك يقود إلى بيئة استسلام لصفقة التصفية. ولا يبتعد عن ذلك الحال الفلسطيني المنقسم سواء داخل فتح أو بين حماس وفتح، وغياب المؤسسية وارتهان القرار الفلسطيني. الشعب الفلسطيني يمتلك وعياً خاصاً وقد يُفشل هذا السيناريو والأنظمة تخشى ردة فعل الشعوب رغم سوء الحال التي وصلت إليه خاصة والجميع يتذكر أن كافة مشاريع التوطين كان حرق لشعبية الأنظمة.

 

أفق تطبيق صفقة القرن ليس ممهداً ولا مؤشرات على موافقة معلنة السلطة، حتماً ستكون ضده لو ذهب باتجاه سيناريو كيان منفصل في غزة، مع عدم وجود مؤشر لإمكانية تطبيق سيناريو سلمي لصفقة القرن. والاحتمال الأعلى وهو فشل الصفقة كما سابقاتها والمراهنة هنا على الوعي الفلسطيني وصموده. فضلاً عن الروح القومية العربية خاصة في مصر في ظل ايمان بحدود الدولة القطرية، فضلاً عن الالتزام الرسمي العربي برفض التوطين وبالحفاظ على حق العودة، ونستذكر ما حدث من موقف شعبي مصري في جزيرتي صنافير وتيران، وكذا موقف السلطة الفلسطيني التي تحذر في القضايا الحساسة وخاصة قضية اللاجئين، وتبدو قوى المقاومة صاحبة إسهام في ذلك.

 

إن الظروف القاسية التي يحياها الشعب الفلسطيني والشعوب العربية قد يريدونها في الاستسلام لمشروع صفقة القرن، ومن هنا فإن المسؤولية قائمة لمنع التوطين عبر توعية شاملة وإعلام مساند، مع دور لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية عبر وحدة الضفة وغزة، وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي بالتحذير من تصفية القضية والعمل على منع ذلك، مع إسناد قانوني وقضائي للموقف السياسي عبر نشاط للمؤسسات الحقوقية. الليالي حُبلى، والموقف ساخن، والأيام تأتي كل يوم بجديد، التمهيد لعقد "صفقة القرن" قد بدأ خطواته الأولى على الأرض، وترامب في المنطقة وحلقات الحصار حول غزة تشتد، وارهاصات مرحلة قادمة قاسية تأخذ خطواتها الأولى لتوقيع احتفالي يوهم بأجواء جديدة في المنطقة عنوانها الأكيد (إسرائيل) تقود محوراً عربياً برعاية أمريكية لعقد إجباري لصفقة القرن. والله غالب على أمره.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة