الثورة العراقية من زاوية أخرى.. الحب هو من فجرها

في الحقيقة، ليست هنالك حقيقة محضة، لكن هنالك وقائع تميل للحقيقة أكثر من غيرها، وتلكم الوقائع تصار في كل الأحداث، في كل حدث ثمة واقعة تقترب من الحقيقة عن قريناتها، وكذا الحال مع الثورة العراقية التي تصار الآن، لثورة العراق الحالية أو ثورة تشرين كما باتت تعرف عند الشرق والغرب، وقائع وأحداث متراكمة كثيرة هي التي صيرتها، وجعلتها تنطلق بكل هذه القوة غير المعتادة في البلاد، من بين تلك الأحداث المتراكمة، ثمة أحداث تاريخية تعود إلى الماضي على امتداد القرن المنصرم، وثمة أحداث تعود إلى التراكم الحاصل منذ عراق ما بعد صدام حسين، وإلى هذه اللحظة المفصلية.

  

لكنني هنا سأخرج عن ذكر تلكم الأحداث – ربما سأعرج عليها قليلا – وأبتعد عن الخوض في معترك التاريخ، وسأدخل في خضم الحاضر أو الآن، وأقصد بذلك الثورة الجارية منذ شهور أربعة، وهنا أنوه إلى أن ما سأطرحه هو يمثل زاويتي الخاصة التي أنظر من خلالها لسبب نشوب هذه الثورة، وهي بالتالي، رأيي الخاص، فلا اتفاق في النهاية على كل شيء منذ أن خلقت البشرية، ولا حقيقة محضة مثلما أسلفت فوقا، لكنني أكتب هذا الرأي، من هذه الزاوية التي سأدليها؛ لأنني ابن هذا الجيل الثائر في الساحات والمعتصم في الشوارع.

  

نعم ابن هذا الجيل، وأعرفه جيدا، نقاشاتنا، وجلساتنا، وحكايانا على امتداد السنوات القليلة الوالة، تعطيني كما أبناء عمري الانطباعات عن الذي جعل هذا الشباب ينتفض بكل أزره في الأول من أكتوبر؛ ليشجع باقي فئات الشعب على الانضمام معه في الدفعة الثانية من الاحتجاجات، وأقصد دفعة (٢٥/ تشرين الأول)، هذا الجيل لم يجد الفرصة للعيش كما بقية الأجيال التي سبقته في هذه البلاد، صحيح أن تلك الأجيال عانت ما عانت، لكن بالتالي حروب تلك الأجيال كانت على الجبهات الحدودية مع إيران تارة، ومع الكويت وحدود الكويت تارة أخرى، بمعنى أنها ليست في داخل البلاد أو في عمق المدن، وأما ما سبقها من أحداث في الخمسينيات والستينيات، فحتى وإن صيرت داخل المدن، صيرت لفترات قصيرة ثم انتهت، انقلابات على الحكمين الملكي والجمهوري لم تتجاوز أكثر من سنة بالكثير في كل انقلاب، وانتهت.

 

أما هذا الجيل، فلم يعش حياته كما تلكم الأجيال، لم يعش طفولته كما تلكم الأجيل، كما لم يعش مراهقته، ولا شبابه مثل تلك الأجيال، ولد مذ ولادته والحروب والقتل في داخل مدنه، في أزقته، وحاراته، وشوارعه، حرب مع أميركا إبان ما بعد ٢٠٠٣ في طفولته، وحرب أهلية ما بين (٢٠٠٥ – ٢٠٠٩) إضافة إلى الحرب مع القاعدة في صباه ومراهقته، وحرب مع داعش مع بدايات شبابه، كل تلك الحروب لم تجعله أن يعيش ولو لبرهة بهناء.  ما زاد من معاناته هو الحب، نعم الحب، فهذا الجيل رغم كل ما سبق، لم يبتعد عن الحب، الحب الوحيد هو الذي يأنس به في ظل هكذا حياة، لكن هذا الحب نفسه هو الذي جعله ينتفض هذه الانتفاضة الجبارة.

 

بعودة الوطن، وإصلاح كافة المفاصل الحياتية التي هدمها حكام هذه السلطة، حينها من الممكن للمحبين أن يجدوا فرصهم في هذه البلاد التي تمنحهم حقوقهم

كيف ذلك؟، لأنه وإن تأقلم مع كل الصعاب في سنين الحرب والتفجيرات والقتل على الهوية وفق قاعدة "مجبر أخاك لا بطل" وإن تعود على ذلك، لم يعد بإمكانه التأقلم مع ذلك عندما ينبض قلبه معلنا وقوعه في حب فتاة ما، حب الشباب هذا أيضا فيه من القسوة والآلام من التي لم توجد في حب تلك الأجيال، تلك الأجيال كانت حياتهم بسيطة، وبإمكانهم الوصال مهما بلغت قصصهم من العسر، أما حب هذا الزمن، فصعوباته يئن لها الحجر، وتذرف الجبال الصلبة له الدموع، كل الدموع، الحياة تغيرت، ومتطلباتها كثرت في ظل الحداثة، والطفرات التقنية، وما من ذلك، الحياة ما عادت بسيطة كما الماضي، الحياة عند الشباب العراقي اليوم صعبة، ليست ترفة كما بقية جيرانه من دول الخليج.

 

أن تحب اليوم، ولكي تثمر حبك بالزواج، معنى ذلك، أن يكون لك بيتك الخاص، أن يتوفر لديك مرتب شهري ثابت ومناسب، أن تكون لديك مركبة، تلكم أشياء بسيطة وربما حقة، وهي حقوقه، لكنها عند العراقي صعبة المنال، وهو غارق في حبه، ذهنه في الوقت ذاته غارق في التفكير عن كيفية توفير كل تلك الأساسيات، توفيرها في عراق اليوم، معنى ذلك أن تبذل مجهودك، ولا تستريح أبدا، لكن المؤلم أنه إلى أن توفر تلكم المتطلبات، تكون قد ناهزت الخمسين، أو أواسط الأربعين. بالتالي، أولا شبابك ضاع، وثانيا نشاطك الجنسي ليس في أوجه كما عمر الشباب، وثالثا عمرك هذا ليس بمقدورك أن تتزوج به، هذا إن بقيت الحبيبة تنتظر كل تلك السنين، في ظل مجتمع ينبذ تأخر المرأة في الزواج.

 

لماذا كل ذلك الوقت يستغرقه الشاب كي ينجز كل تلك الأمور؟؛ لأنه بعد تخرجه من الدراسة الجامعية لا يجد الوظيفة التي تليق بسنوات تعبه لتلك الشهادة التي ناضل من أجلها، سيجد نفسه في عمق البطالة، حتى لو كانت شهادته عليا، ناهيك عن انعدام القطاع الخاص، وإن وجد قطاع خاص، فهو مرتبط بالأحزاب والميليشيات التي تجعل من يقدمون الطاعات والولاءات على دفتها، أما الشاب الحالم بحياته التي يريدها باستقلالية بعيدا عن التحزب والأحزاب، فلا مجال ولا مكان يتسع له فيها.

 

حب شباب هذا الجيل كسره كسرا، خساراتهم فاقت سنين عمرهم، دجلة فاض من دموعهم. الواحد منهم بالكاد تجد لديه غرفة تخصه في بيت أبيه، إن لم يكن بيت جده، وأكثرهم لا يملك تلك الغرفة، فتجده يبات في صالة البيت، أو في الاستقبال (الغرفة المخصصة للضيوف). وما نسبة عزوف الشباب عن الزواج التي وصلت أعلى مستوياتها حينما بلغت نسبة (٦٠) بالمئةالعام الفائت، إلا دليل طامغ على الواقع المزري، والحياة البائسة، وضيق الحال، التي تمنع الشباب من الارتباط بمن يحبونهن تحت مظلة سقف واحد. ولذلك، نتيجة كل المعطيات الآنفة الذكر، خرج شباب هذا الجيل إلى الساحات والميادين والشوارع، للتظاهر والاحتجاج، غير آبهين بالرصاص، ولا بالغاز المسيل، ولا حتى بالقناص، كل تلك لم تخيفهم، ولم ترهبهم، فلا شيء يرهب هذا الجيل أكثر من رهبة خسارة الحبيبة.

 

لذلك تجدهم زلوا مانحين صدورهم للرصاص دونما الخوف من المصير الذي سيطالهم، نزلوا لأجل القضاء على هذا الوضع الذي يمنعهم من الوصال بمحبوباتهم، من أجل اختصار سنين عمره التي يبذلها لأجل نيل حقوقه من الخمسين والأربعين من عمره إلى الثلاثين من عمره. وهناك الكثير من الشباب الذي كتب وعلق اليافطات في ساحات التظاهر مدونا فيها بما معناه "أريد وطنا يمنحني الزواج بحبيبي"، أو الورقة التي وجدت منذ أيام في (جيب) أحد الشباب المصابين والتي كان مكتوب فيها "ريد وطنا يشبه عيني حبيبتي". وذلك إن دل على أمر، فهو يدل على أن الحب عند العراقيين، يعني أن تخلق الإعجاز ليثمر بالوصال، هكذا هو الحب عندهم، ولأجل نيل ذلك الحب، ما من وسيلة غير نيل الوطن واسترجاعه من أيادي الفاسدين والسراق والقتلة الذين انتشلوه من الشعب.

 

وبالتالي، فإنه بعودة الوطن، وإصلاح كافة المفاصل الحياتية التي هدمها حكام هذه السلطة، حينها من الممكن للمحبين أن يجدوا فرصهم في هذه البلاد التي تمنحهم حقوقهم، وبذلك يصبح نيل الحب والوصال بالحبيبة تحت سقف واحد أيسر وأكثر سهولة من ذي قبل.



حول هذه القصة

كلنا تحت القصف، تنثرنا ريح شديدة العصف! يقصف بيت في غزة؛ يهتزّ له القلب هنا هزّا، يقصف بيت في سوريا؛ فنبكيه سويّا، يرسل صاروخ إلى اليمن فيسقط كتفنا الأيمن.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة