سوسيولوجية الفساد.. عندما تكون التنشئة الاجتماعية جزءا من المؤامرة

الفساد هو الوحش الذي طالما تربص بأحلام الشعوب، وهو ظاهرة تتغنى الحكومات في دول العالم باختلاف قوتها الاقتصادية وجودة العدالة فيها بمحاربتها، أما الأنظمة الاستبدادية والشمولية فقد تمكنت من تحويل الفساد من سلوك غير سوي ومنبوذ إلى ظاهرة اجتماعية مألوفة يتقبلها العام والخاص وتتوارثها الأجيال، بحجة الانتماء إلى عالم ثالث يعتبر أرضا خصبة لجميع الظواهر السلبية، وفي أبجديات الحكم كل سلوك مدروس له قواعد وظروف مثالية يظهر ويتنامى فيها، والفساد سلوك ينتجه الغياب التام للرقابة الذاتية والمتمثلة في الضمير والمبادئ والرقابة العامة والمتمثلة في القوانين والضوابط التي تسهر على تطبيقها الدولة، وهنا يظهر جليا أن سلطات فاسدة لا يمكن أن تضمن وجودها إلا في مستنقع مجتمعات فاسدة.

  

إن الفساد صناعة وله علاقة حميمية مع التخلف، تشبه علاقة كليوبترا بيليوس قيصر علاقة لجوء وحماية وعشق أزلي، وتساهم التنشئة الاجتماعية بشكل مباشر في ترسيخ القابلية للفساد في شخصية الإنسان، فالأسرة أو المؤسسات التعليمية قد تكون لبنة أساسية في تصدير إنسان فاسد إلى المجتمع، سلوك بسيط ربما في نظر العامة، عدم احترام الطابور، المحاباة، استعمال المحسوبية، الرشوة، هي الخطوط الأولى لرسم دولة الفساد والفاسدين، وتستعمل الأنظمة السياسية في الدول المتخلفة شعوبها في نشر الفساد في أدق تفاصيل الحياة، بهدف أن يتحول إلى أخلاق شعب، لا أخلاق مسؤول أو هيئة أو سلطة، وهو ما يرفع عن عاتقها المسؤولية الأخلاقية والقانونية لمحاربته.

 

لا يمكن أن ننكر أبدا من ناحية علمية أو منطقية دور السلوكيات المكتسبة في بناء شخصية الإنسان، فالإنسان هو خلطة ومزيج بين الفطرة والاكتساب

المجتمع بمؤسساته المختلفة هو مدرسة تكونية لإنتاج الأفراد، وكلما كانت هذه المدرسة نزيهة وأخلاقية، كلما أنتجت أفرادا يتصفون بالأخلاق والمبادئ الرائجة داخلها، ودرجة التقبل للسلوك تتعلق أساسا بدرجة انتشار هذا السلوك داخل الجماعة، ولعل نظرية الامتثال الاجتماعي تعد تلخيصا مثاليا لهذه الظاهرة، فالإنسان يرضخ في الغالب لعادات وأخلاق العامة، وقد يناقض مبادئه من أجل مسايرة عرف الجماعة.

 

الفساد تسلسل هرمي، يتدرج من الغفير إلى الوزير، كل منهم يمارس الفساد على مستوى المنصب والمحيط الذي يوجد فيه، وبدرجات متفاوتة، وفي العديد من الدول المتخلفة لم تكن هناك رغبة حقيقة وإرادة دولة في محاربة الفساد، واقتصرت مكافحته على القوانين والهيئات الشكلية، والتي استنزفت المال العام لعقود، ولم تثمر نتائجا ملموسة، لهذا اتسعت دائرته وتغلل أكثر فأكثر في مفاصل المؤسسات والمعاملات، وذهنيات الناس، وأصبح القضاء على الفساد في عقيدة الشعوب تحديا صعبا وحلما قوميا بعيد المنال على المدى القصير على الأقل، لكن ما يجهله أو يتجاهله الكثيرين أن الفساد مؤامرة ممنهجة، وهم جزء لا يتجزأ منها، وأن محاربته لا تحتاج لمعجزة كونية بل تحتاج فقط إلى تفعيل دور الضمير بداخلهم واحترام القوانين والاعتراف بوجود كيان دولة، وسيرورة هذه المبادئ ستضمن بالضرورة سيرورة لنبذ الفساد والفاسدين.

  

لا يمكن أن ننكر أبدا من ناحية علمية أو منطقية دور السلوكيات المكتسبة في بناء شخصية الإنسان، فالإنسان هو خلطة ومزيج بين الفطرة والاكتساب، قد يطغى أحد العناصر على الآخر، لكن يبقى دور السلوك المكتسب واضحا في سمات شخصية الإنسان ومعالمها، وحتى لو سلمنا جدلا بأن الإنسان يولد فاسدا أو نزيها بالفطرة، فلقوة القانون دور محوري في كبح جماح الفساد والأخلاق السيئة، فطفلك بذرة تزرعها في تربة اسمها مجتمع، فقد تكون بذرة طيبة في أرض بور، وقد تكون بذرة فاسدة في أرض صالحة، ونبتة الإنسان التي ستخرج من هذه البذرة هي نتيجة حتمية لتعايشها وقدرتها على التأقلم مع طبيعة الأرض التي زرعت فيها.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة