ماذا بعد المؤتمر العام الرابع لشباب النهضة بالجامعة؟

على مر التاريخ، عرفت مرحلة الجامعة بالحركية السياسية الكبيرة والسجال الحاد بين مختلف العائلات الفكرية والسياسية، بل ولعب الطلبة أدوارا محورية في حركات التغيير والثورات والانتفاضات، وحري بنا هنا أن نذكر تجربة إعتصامات "غرينسبورو" التي قاد فيها أربعة طلبة سود أمريكيين موجة رفض واسعة لقوانين الميز العنصري التي كانت تحرم السود من أبسط حقوقهم سنة 1960 وانتهت هذه الحركة بسقوط نظام الميز العنصري ضد السود لاحقا. كما لا يجب أن ننسى انتفاضة الطلبة ربيع 1968 في فرنسا وسيرورتها المتصاعدة التي طالبت بإصلاح التعليم العالي وإدماج العلوم الإنسانية في المناهج. أما في تونس فقد كان للجامعة نصيب الأسد من أحداث 1978 ومن انتفاضة الخبز سنة 1984 إذ سقط العشرات بين جرحى وشهداء في مسيرات احتجاجية طالبت بدمقرطة البلاد وإيلاء معيشة المواطن الأهمية التي تستحق. لكن بريق الحركات الطلابية بدأ يخفت في بداية من تسعينات القرن الماضي في تونس وذلك بسبب التضييق الممنهج الذي مارسه نظام المخلوع بن علي وقد كان الهدف منه وأد كل نفس تحرري قد يسبب قلاقل لحكمه الجبري.

فقام بحل الاتجاه الإسلامي بالجامعة، أكبر فصيل سياسي في تلك الفترة ثم إمتدت يده الغادرة نحو الإتحاد العام التونسي للطلبة، المنظمة الطلابية الوطنية التي كانت تجمع في صفوفها أكبر عدد من طلبة البلاد في ظل قصور المنظمة التاريخية، الإتحاد العام لطلبة تونس عن أداء دورها المنوط بها وتدجينها من قبل السلطة الحاكمة. فترة تركيع الجامعة هذه إمتدت حتى قيام الثورة في جانفي 2011 والجدير بالملاحظة أن هذين العقدين السودوين في تاريخ الجامعة التونسية شهدا تراجع المستوى العلمي والأكاديمي للجامعة وتشغيلية شهائدها . مما يبرز بوضوح وجود علاقة سببية بين الحراك الطلابي السياسي والمدني وبين مستوى الجامعة العمومية. إذ أن جامعة اللون الواحد والفصيل الواحد والنقابة الواحدة كانت جامعة تقتل الإبداع وتكبل الطاقات وتخمد كل الأصوات التي تطالب بتجويد أو تحسين المناهج وملائمتها مع متطلبات العصر واحتياجات سوق الشغل.

الرهان الثالث لشباب هو رهان إعادة الجاذبية للعمل السياسي داخل الجامعة في ظل بروز أشكال تنظم جديدة هجينة تدجن الطالب وتجعله رهين أجندات لا ناقة له فيها ولا جمل

بعد ثورة 17 ديمسبر- 14 جانفي المجيدة، إستبشر الجميع بعودة الحركة الطلابية والحرية للجامعة وأعادت التنظيمات السياسية داخل الجامعة تشكيل نفسها فشهدنا عودة الاتجاه الاسلامي بالجامعة، الامتداد الطلابي لحركة النهضة سابقا، تحت مسمى جديد وهو شباب النهضة بالجامعة وذلك أواسط ديمسبر سنة 2011 . ثم عودة الاتحاد العام التونسي للطلبة إلى النشاط إضافة إلى عدة فصائل أخرى. لكن الأحلام الوردية التي سادت تلك الفترة والشعارات الرنانة التي رفعت سرعان ما واجهت طريقا مسدودا، إذ أن التشريعات السائدة وهي تركة النظام البائد، تمنع منعا باتا العمل السياسي داخل الجامعة وتعرقل العمل النقابي الديمقراطي، كما أن الهياكل الإدارية للأجزاء الجامعية تحرص في مجملها على وأد كل نفس تحرري يحاول التعبير عن رأيه داخل الحرم الجامعي وذلك بتعلات واهية من قبيل حسن سير الدروس والنأي بالجامعة عن التجاذبات، متناسين أن مرحلة الجامعة هي مرحلة صقل المهارات القيادية للشاب وبلورة أفكاره وتطلعاته.

 

وهنا يكمن موطن الداء الأساسي، إذ لا يمكن أن نشهد حياة طلابية تعددية ومتنوعة في ظل تشريعات قديمة صيغت على مقاس الحزب الحاكم بأمره لتدجين الجامعة، لكن الفصائل الطلابية السياسية والنقابات تتحمل أيضا جزء من الوزر لا بأس به، إذ تتمسك جل هذه الفصائل والنقابات بأساليب عمل قديمة بالية متوارثة عن أجيال التسعينات والثمانينات، وهو أمر مخالف للمنطق وطبيعة الأشياء إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصنع فعلا سياسيا أو نقابيا مقبولا لدى عموم الطلبة وجاذبا لهم إذا لم تنجح في كسب رهان التجديد في الأساليب والأفكار، وهو حسب رأيي الرهان الأهم الذي يجب أن يرفعه شباب النهضة بالجامعة خلال العهدة القادمة بعد أن أنهى أشغال مؤتمره الرابع.

 

إذ أن هذا الفصيل الذي يضم خيرة من طلبة الجامعة أبناء حركة النهضة، نجح في ترسيخ مبدأ الديمقراطية والتداول السلمي على المسؤوليات وقد حان الوقت له أن يجتهد في توسيع قواعده من خلال تنويع أساليب عمله وتعصيرها ليواكب مطلع العشرية الثالثة من القرن الواحد والعشرين، وذلك من خلال إعادة قراءة الساحة الطلابية ومكوناتها، قراءة متأنية دون تعال أو أحكام مسبقة، ثم البحث عن أرضيات مشتركة للتوافقات وتشبيك العلاقات نحو تحقيق هدف أراه ضروريا وهو تقنين العمل السياسي داخل أسوار الجامعة. من خلال إعادة النظر في القانون المنظم للحياة الجامعية تحت قبة البرلمان لتصل الثورة إلى الجامعة، وبهذا يخدم شباب النهضة بالجامعة الجامعة من أبواب عديدة، فبإصلاح هذا القانون وتعصيره سيتطور تصنيف الجامعات التونسية وتتحسن تشغيلية شهائدها العلمية.

 

كما لا بد لشباب النهضة بالجامعة أن يشتغل على ملف التثقيف السياسي لفئة الطلبة بشكل مكثف، إذ أن مستوى الوعي السياسي لدى هذه الفئة متدن جدا بل يفتقر إلى الأساسيات من فهم لطبيعة النظم السياسية والفوارق بينها والمؤسسات السياسية المختلفة وصلاحياتها. مما ينذر بمستقبل قاتم للساحة السياسية الوطنية سمته الأبرز الاستقالة والبرود والجهل والعزلة. والرهان الثالث لشباب النهضة بالجامعة، والذي لا يقل أهمية عن الرهانين الأولين هو رهان إعادة الجاذبية للعمل السياسي داخل الجامعة في ظل بروز أشكال تنظم جديدة هجينة تدجن الطالب وتجعله رهين أجندات لا ناقة له فيها ولا جمل، من خلال التظاهرات الجوفاء التي يكون الهدف الرئيسي منها التقاط الصور والتعارف والتأنق دون مضمون حقيقي هادف يرتقي بعقول الحاضرين ويوسع إدراكهم. هذا إضافة إلى دوره الطبيعي في تمليك الوعي بمختلف القضايا الوطنية والإسلامية والتذكير بمحورية هذه القضايا وأهميتها وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لتصبح الجامعة فعلا مصنعا للقيادات السياسية المستقبلية بعيدا عن تسطيح الوعي والأفكار المقولبة والأفاق المحدودة التي نراها اليوم في نخبتها السياسية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة