دور الأهل في اختيار المهنة المناسبة لأولادهم

هل ينشأ أولادنا ويكبرون  وهم على معرفة بإمكانياتهم الذهنية والعلمية بحيث يكونون قادرين على اختيار مهنهم بأنفسهم؟ أم أنهم يظلون منذ سن المدرسة الابتدائية وحتى مرحلة متقدمة من العمر بحاجة لتوجيه وإرشادات الأهل؟

 

إن عصرنا الحاضر هو عصر العلم بكل ما فيه من اكتشافات ومخترعات حديثة، أدهشت الناس وبهرت عيونهم فافتتنوا بمنتجاته واختراعاته، وركضوا وراءها بكل ما يملكون من قوة، تاركين خلف ظهورهم كل ما خلفته عصور التخلف والجهل الماضية، وسعى الناس حثيثا إلى ما فقدوه ليجدوا العوض لهم بأولادهم فدفعوا بهم دفعا إلى العلم وتخصصاته، بجميع درجاته ظنا منهم أنهم بذلك ينالون إربهم ورغباتهم، معتبرين أولادهم عجينة طرية، يستطيعون صبها في القالب الذي يريدون حتى تجف وتأخذ الشكل المطلوب .

 

فمن أراد لولده مهنة الطب حمله على دراسة الطب بشتى الوسائل، وإن كان كارها لهذه المهنة، وكذلك يختار له ما شاء من المهن، ولكن النتيجة المخيبة للآمال صفعت الجميع، وكانت الكارثة، وهي فشل أغلبية أبناء هذا الجيل، وصار في مجتمعنا جيل من الشباب يغرق في الكسل والبطالة حتى أذنيه فهل من منقذ؟! تعالوا معنا أيها الآباء نستعرض معا تطور الإنسان منذ الطفولة وحتى الشيخوخة، ونرى كيف أن لكل إنسان طباعا خاصة وشخصية مميزة له، وكل شخص مقتنع تماما بطريقته في الحياة وبآرائه، ولا يسير في طريق إلا برغبته وأهوائه.

 

وظيفة الأهل والمربين في البداية هي مراقبة تطور نمو الطفل وبذل ما في وسعهم من رعاية وحنان لتغذية جسمه وروحه ولزرع بذور الأخلاق التي سيتسم بها مستقبلا
نحن وأولادنا

تعالوا نتعرف على حقيقة أدوارنا تجاه هؤلاء الأشخاص الذين هم قسمتنا وحصتنا في هذه الحياة، أولادنا، ماذا نقدم لهم؟ وإلى أي حد يحق لنا التدخل في حياتهم؟ لا شك أن حنان الأبوين والمربين ضروري لنمو الطفل بجسده وروحه قلبا وقالبا، ولا غنى للأطفال عنه. إذ يولد الطفل ضعيفا، لا يعي ولا يفهم شيئا مما يفهمه الانسان البالغ، وهو غير قادر على تأمين ضرورات حياته إذ لا بد من مرب مساعد له في هذه المرحلة حتى تقوى مداركه، ويشتد عوده، وهنا يجب أن نفهم أننا لسنا نحن الذين نعلمه كل شيء، ونقوي جسده ونساعده بإرادتنا.

 

ولكن من الضروري أن نعرف أن الطفل إذا قدمت له المساعدة كي يحيا فإن تطوره سيمر بمراحل لا بد منها، ولا نستطيع نحن التدخل فيها. وهذه المراحل متقاربة بين كل الأطفال، ودرست من قبل علماء متخصصين، وضعوا لها جداول خاصة للمقارنة بين الطفل الطبيعي وغيره، فمثلا هناك جداول خاصة لتطوير الأطفال الطبيعيين من حيث الوزن والطول ومحيط الرأس، وكذلك جداول للتسنين (لمواعيد بروز الأسنان) وجداول للنطق، وعدد الكلمات في مختلف مراحل الطفولة الأولى، وهكذا نستطيع أن ننظم جداول كثيرة لمعرفة التطور الروحي والحركي، ومعدل الذكاء عند الطفل؛ وكل هذه الدراسات مبنية على أن الإنسان خلق هكذا، يتطور وينمو بهذا الأسلوب. فهل سمع أحدنا أن عند بعض الآباء طريقة في التربية تجعل الطفل يتكلم فيها بعمر شهر، ويمشي بعمر شهرين، ويصبح رجلا بعمر سنة؟!

 

هنا نقف لحظة متفقين على أن وظيفة الأهل والمربين في البداية هي مراقبة تطور نمو الطفل وبذل ما في وسعهم من رعاية وحنان لتغذية جسمه وروحه ولزرع بذور الأخلاق التي سيتسم بها مستقبلا، وثمار هذه البذور التي نزرعها تتأثر في المستقبل بعدة عوامل: بالتربة الموجودة أصلا في ذات الطفل، وبالسقاية والرعاية المقدمتين من الأهل، ثم بالعوامل المحيطية في مجتمع الطفل ثالثا.

 

دورنا كآباء

والآن، لنتابع المسير في ملاحظة تطور الطفل ودورنا فيه كآباء. عندما يتجاوز الطفل مرحلة الطفولة الأولى ومرحلة ما قبل المدرسة، أي في السنة الخامسة من عمره تقريبا، فإننا نكون أمام انسان أصبح يميز بين الخير والشر، ويقضي حوائجه بنفسه ويمارس هواياته المحببة، ويفصح عما بداخله، وماذا يحب وماذا يكره، ففي هذه المرحلة يحتاج الطفل للقيادة والتوجيه إلى الطريق الصواب ويتقبل القيادة، ولكنه يرغب بأسلوب مريح ومقنع، إذ يكثر من الأسئلة ويحاول تقليد الآباء وإقناع نفسه بالسبيل الذي سيسلكه ضمن إطاره الصغير وعالمه المحدد، وفي هذه المرحلة تبدأ قابليته وقدرته على التعلم، ولكن معدل الذكاء يختلف بين طفل وآخر، ويجب إلحاقه بمدرسة للتعليم تدربه حافظته بالأناشيد وعد الأرقام وكتابة أحرف الأبجدية، واكتساب التأقلم مع الجماعة.

 

ويجب على الأهل الإشراف على ما تعلمه الطفل وتثبيت معلوماته، وتنميتها كدور مساعد للمدرسة، وهنا يبدأ دور التمايز بين الأطفال المجدين منهم والمقصرين والكسالى. وظاهرة الكسل هذه يجب أخذها بعين الاعتبار لمعرفة أسبابها، فإن كان السبب ضعف معدل الذكاء عند الطفل وجبت مراعاته بشكل خاص، وتعليمه ببطء وتكرار أكثر، وفرزه مع أمثاله عن الأطفال المجدين حتى لا يكونوا عائقا لهم ولمدرسيهم، وإن كان سبب كسلهم قلة العناية والاهتمام بهم وجلب المزيد من الاهتمام، وخاصة في المراحل الأولى للتعليم حتى لا يعتاد الطفل الكسل. فإن التشجيع والعناية يقعان على عاتق المدرسة والبيت معا.

 

لا بد من وجود تمايز بين البشر، ليس تمايزا عرقيا أو دينيا. وإنما تمايز الإنسان المبدع، والطموح المتقن للعمل عن غيره. ولابد أن يصبح أعلى شأنا من بعض أفراد المجتمع حوله، وهذا من سنة الكون وفطرته
حب العلم وتقديسه

إلى هنا نستطيع القول: إنه مهما كان العمل الذي سيقوم به كل فرد وصل هذه المرحلة في المجتمع، فإن ما تلقاه من علوم أساسية تكفي لأن يحيا حياة طيبة ولا يحتاج للمزيد من التفاصيل في العلوم، سواء كانت أدبية أو علمية، إلا الذين يرغبون بهذا المزيد ويبدون الشغف في حب العلم وزيادة الاطلاع، هؤلاء يجب تشجيعهم بتوفير الجو الملائم لهم للدراسة، ومحاولة إجابتهم على أسئلتهم، وجلب ما يلزمهم من كتب يحبون قراءتها، ودفاتر يسطرون عليها انطباعاتهم وأفكارهم، ونحاول تعريفهم على أهل العلم، ليتبادلو معهم الآراء والأفكار والكتب، وهذا لا يوجد عند كل البشر.

 

حب العلم لا يفهمه إلا المتعلمون بإرادتهم وهوايتهم، وهم حفنة قليلة من البشر، ومتطلبات الحياة تقتضي وجود مثل هؤلاء العلماء، ولكن ليس من الضروري أن يكون كل أفراد المجتمع علماء، لأنهم أولا: لن يكونوا هكذا نظراً لاختلاف مستوى الأشخاص. وثانيا لأن المجتمع لا يستطيع العيش أبدا إذا كان هذا شأنه، ولابد من وجود الاختصاصات جميعها، لتأمين متطلبات الحياة والعيش الرغيد، المهندس، التاجر، العامل. وأكبر نسبة يحتاجها المجتمع هي نسبة العمال، لتعدد الاعمال الضرورية التي يجب إنجازها لتأمين المعيشة الائقة للمجتمع، من بناء المنازل وتنظيف الطرقات، وتأمين المواصلات المريحة في تنقلاتنا، وتوفير الدواء الضروري.. كما يقال: إن كثيرا من العمال يعملون ويتعاونون لإنجاز الخبز فقط فكيف ببقية متطلبات الحياة!

 

تمايز البشر

من الجدير بالذكر هنا، أنه لا بد من وجود تمايز بين البشر، ليس تمايزا عرقيا أو دينيا. وإنما تمايز الإنسان المبدع، والطموح المتقن للعمل عن غيره. ولابد أن يصبح أعلى شأنا من بعض أفراد المجتمع حوله، وهذا من سنة الكون وفطرته، إذ لا بد في المجتمع من وجود الرئيس والمرءوس، الغني والفقير، العالم والجاهل، وخلاصة القول: إن دور الأهل يتحدد في البداية بالإشراف على تعليم أولادهم العلوم الأساسية الضرورية في الحياة العملية، والتي سبق ذكرها آنفا، ثم في تشجيع أولادهم على المضي قدما في العمل الذي يحبون والذي سيحمل الخير لهم وللمجتمع: فإن كانت الاستزادة من التعليم واللحاق بركب العلماء تحقق ذلك بالاختصاص الذي يحب، وإن كان عملا نافعا للمجتمع بدأه منذ الصغر عند انتهاء تعليمه الأساسي، لأنه كان في مدرسته أكثر استعداداً لتعلم المهن وأكثر احتمالا وصبرا لتنفيذ متطلبات المهنة، فإنها تشب وتكبر معه ليطرحها مستقبلا في مجتمعه.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة