حين يصنع الإعلام نجوما من ورق

تغيرت الحقب الزمانية وتوالت الحكومات بين واحدة تدعي القومية الشرسة وأخرى تعتنق الطائفية، وتغيّر شكل التلفاز من ذلك الجهاز الغليظ هيكله إلى آخر رشيق وحديث، كما أصبحنا نستمع إلى موجات الراديو في كل مكان. شاهدنا طفرة الإعلام السمعي والمرئي من وسيلة تربوية ترفيهية إلى "أفيون" ضيّع بوصلة الشعوب وصرف انتباهه عن القضايا الرئيسية التي تهمّه وتعني مستقبل الأجيال القادمة إلى الانغماس في مغالطات في شكل قضايا تنصب عليهم من كل صوب وحدب ولا يجمعها سوى التفاهة والرداءة.

  

أعتقد أنه على مر الزمان تغير كل شيء ولم يتغيّر الجلاد والضحية، ليبقى رجال السياسة وأصحاب المال والنفوذ محتكرين لشاشة التلفاز فيمررون ما يخدم مصالحهم ومصالح أتباعهم وخاصة في ظل تفشي ظاهرة القنوات الخاصة. أما الضحية فلا يمكن أن يكون أحد غير الشعب البسيط التي تقوده عاطفته وقلة وعيه إلى أن يسلم مفاتيح عقله إلى ما يسمون أنفسهم وهما بالإعلاميين، وليتهم يعرفون ما تحمله هذه الكلمة من قيم ومسؤولية لا يشعر بثقلها سوى أصحاب الضمائر بينهم.

 

تكرّس وسائل الإعلام كل جهودها على نشر ثقافة التفاهة التي تعمل على تسطيح فكر واهتمامات المتابعين، بل والأخطر من ذلك تسعى إلى نشر أفكار ومصطلحات لا تتماشى أبدا مع طبيعة مجتمعاتنا المحافظة

هنا، يمكن أن نستحضر مقولة مالكوم إكس "وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض. لديها القدرة على جعل الأبرياء مذنبين وجعل المذنبين أبرياء وهذه القوة لأنها تتحكم في عقول الجماهير". عموما، لا ينبغي أن يلعب المواطن دائما دور الضحية في هذه المسألة لأنه يمكن أن يجعل وعيه سدا منيعا ضد الإسفاف والرداءة.

 

 

وبشكل عام، أصبح اصطياد الفتيات الجميلات من حساب الانستغرام وغيرهم من محبي الفرقعات الإعلامية والشهرة مادة ثرية للبلاتوهات التلفزية والحوارات الإذاعية، فيمكننا القول إن تجار وسائل الإعلام يرون في هذه الفئة المستجدة في المجتمع سلعة يبيعها للمشاهد لتدر عليه أموالا طائلة من الشركات المصنّعة دون أي نوع من الشعور بمسئولية بما يقدمه للمجتمع خاصة في هذه الفترة العصيبة.

 

في الواقع، بات تحقيق أعلى نسب المشاهدة هوسا قض مضجع المشرفين على البرامج دون التفكير ولو للحظة واحدة في مدى استفادة المشاهد من مثل هذه الحوارات مع هؤلاء الأشخاص. إن لم يكن ذلك كافيا، أصبح الصحفيون، بكل ما تحمله هذه المهنة من قداسة وأهمية، يطاردون هذه الفئة من صناع المحتوى ليحصلوا على تصريح أو خبر ينشرونه على صفحاتهم يجمعون به بعض "اللايكات" والتعاليق من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وبناء على هذا، تكرّس وسائل الإعلام كل جهودها على نشر ثقافة التفاهة التي تعمل على تسطيح فكر واهتمامات المتابعين، بل والأخطر من ذلك تسعى إلى نشر أفكار ومصطلحات لا تتماشى أبدا مع طبيعة مجتمعاتنا المحافظة حتى تصبح ثقافة مألوفة تنتقل من جيل إلى آخر. فعلى سبيل المثال، صار من العادي مشاهدة إحدى نجمات البلاتوهات تتحدث بكل أريحية عن علاقاتها الجنسية غير الشرعية والمثلية أيضا. وقد كادت بعض التصريحات والمناوشات الغبيّة غير المسئولة أن تحدث أزمات بين الدول وبين أبناء الوطن الواحد. لا يقتصر الإسفاف على ذلك وحيب، حيث تسرف إحدى هؤلاء في التفاخر بثروتها مجهولة المصدر، من خلال أبواق مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة لجعل المتابع يشعر بالمزيد من النقص إزاء حياته ويبدأ بإحداث المقارنات.

 

من العجيب أن تكون درجة الابتذال والإسفاف التي يتفنن الضيف في تقديمها هي المقياس لفتح المزيد من الآفاق والفرص لهفي عالم النجومية والشهرة. وقد شاهدنا الكثير من هؤلاء النجوم المصنوعين من الورق وقد أصبحوا مثالا يقتدى به، خاصة عند المراهقين الذين يفتنون بطريقة لباسهم والكلام والإيحاءات التي يقومون بها وسط تصفيق الجمهور وتهليل القائمين على البرنامج.

  

مازالت الشعوب تحلم بأوطان تحترم نفسها وتجل مواطنيها الذين كاد اليأس أن يصبح رفيقهم اليومي بعيدا عن الحياة الوردية التي يعمل الإعلام عن تصويرها

في الأثناء، يوجد عدد لا بأس به من المواهب والطاقات الشبابية التي حرمها الإعلام فرصة الظهور والتواجد باستمرار لا لشيء، إلا لأنهم لا يسقطون في هوة تقديم مادة قوامها نشر الفضائح لإمتاع المشاهد وإرضاء أصحاب المنصة الإعلامية. وفي المقابل، تنشر أخبارهم وأعمالهم بشكل مقتضب، يمر مرورا عابرا، في خضم تصدر الحمقى للمشهد الإعلامي، لنشر الاسفاف والتفاهة. وفي هذا الصدد، انطلقت حملة في العديد من الدول الأوروبية للحد من هذه الظاهرة تحت مسمى "توقفوا عن جعل الحمقى مشاهير". وعلى العموم، تطورت هذه الظاهرة ليتوسع تأثيرها على الفرد وتمتد ليبلغ تأثيرها الذوق العام، وبالتالي صورة المجتمعات بشكل عام، خاصة مع الأخذ بعين الاعتبار أن انتشار الأخبار التافهة واللقطات الهابطة أضحى سهلا جدا، بل وأسرع من انتشار النار في الهشيم.

  

لسائل أن يسأل عن غاية هذه الطفرة السوقية التي غزت بيوتنا منذ سنوات، لأنه من غير المنطقي أن نعتقد أنها مجرد "نزوة" إعلامية عابرة لا تهدف سوى لمزيد إتخام الحسابات البنكية لرجال الأعمال المحتكرين اليوم للمشهد الإعلامي الهابط في غالبيته. أما اليوم، لم تعد السجون والتعذيب والأجهزة الأمنية السلاح الوحيد الذي تستخدمه السلطة لترويض الشعب، بل أصبحت شاشة التلفاز خير سلاح تتدخل فيه حتى المخابرات في بعض الدول العربية لإلهاء المواطن العربي عن مشاغله الأساسية، ليعيش هذا المواطن المسكين منشغلا بخلافات المشاهير واستعراض الأجساد في أروقة ما يسمونه مهرجانات فنية.

 

في خضم كل هذه الدوامة، مازالت الشعوب تحلم بأوطان تحترم نفسها وتجل مواطنيها الذين كاد اليأس أن يصبح رفيقهم اليومي بعيدا عن الحياة الوردية التي يعمل الإعلام عن تصويرها خدمة لسلاطين القصور.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة