حفتر يتقمص القدافي والعشيرة أساس حكمه

يطالعنا التاريخ دوما بحقائق صادمة عن الحكم ورجاله وكيف تلعب الأمور الشخصية دورا حاسما في تغيير مصائر حضارات وبلدان وأمم، وتبقى عقد الحكام محورا أساسيا في حكمهم، لذلك عزز الغرب آليات متينة للسيطرة على نزوات الحكام وعقدهم، ويحاول العرب في هدا العصر الذي شهد انتفاضات متنوعة أن يقفو أثرهم، لعل ذلك يخفف من تخلف الحاكم الشديد في فهم السياسة والحكم، الأمر الذي أدخل عديد البلدان العربية في متاهات معقدة من التخلف تماشيا مع طرق بائدة اتبعوها في حكم بلدانهم، فلم يكلف بعض الحكام أنفسهم بناء مؤسسات تحكم معهم وبعدهم، فصار انهيارهم انهيارا للدولة بكاملها، ومرد ذلك أولا وبلا منازع اعتماد العصبة العائلية والجهوية والطائفية أو خليط من ذلك كله.

 

تمثل انتفاضة الشعوب العربية في الأساس تمردا وانهاء لحكم القبيلة والعائلة التي ظلت لعقود أساس نظم تتسم كلها بالفساد والدموية، فالعصبة العائلية الأقوى حتما من العصبة الطائفية أو الجهوية، كانت جدار الصد الأول لكل اختراق من شأنه افتكاك الحكم من يد الحاكم، ففي ليبيا طالما ردد القذافي أمام معاونيه أنه ينتظر أن يكبر أولاده، وفعلا عندما كبر الأولاد حكموا تحت أبيهم بالحديد والدم والفساد والقهر، فكان انهيار القذافي انهيارا للعائلة ومن ثم لكل النظام، وها هو حفتر يتتبع مسار القذافي في أدق تفاصيله، كأن القذافي يتلبس حفتر.

 

مند بدأ حفتر بترقية نفسه إلى فريق أول ثم إلى مشير عرف الجميع أن القذافي لن يموت بسهولة، وتتالت الترقيات العشوائية من حفتر لمن يحب، فرقى زوج ابنته أيوب الفرجاني من ملازم أول إلى رتبة رائد وولاه مسؤوليات عدة في القوات التي يقودها، نهاية إلى تعيينه سكرتيه الشخصي، لكن البداية كانت دورا لعبه أيوب الفرجاني أدى بحفتر إلى تقريب صهره أكثر باختيار سبيل القوات المسلحة، فقد اضطلع بمسؤولية جباية الأموال من رجال الأعمال الليبيين في الجهة الشرقية للبلاد مقابل الحماية ووعود المشاريع التي ستمنح بمجرد سيطرة حفتر على العاصمة طرابلس، ثم أصبح منسقا مع الشركات الأمنية التي تتولى تدريب بعض القوات في الخارج التي تحارب تحت لواء حفتر، ورغم عدم انتساب أيوب الفرجاني لأي كلية عسكرية إلى أنه منح رتبة ملازم أول وتكليفه بالعمليات اللوجستية العسكرية، ليزيده بعد مدة وجيزة ترقية إلى رائد وتعيينه السكرتير الأول للقائد العام حفتر، الأمر الذي كان تمهيدا بالتأكيد لدور أكبر لأيوب الفرجاني من أجل حضوره في وفد التفاوض الذي جلس في مقابلة ميركل، مما شكل صدمة حقيقية حتى لموالي حفتر في الداخل، فبأي صفة وأي خلفية سياسية يجلس الصهر من أجل التفاوض؟!

 

الصهر المدلل ورغم الواجهة البراقة لصعوده العائلي العسكري يعد في الدائرة الضيقة لحفتر، لكن يسبقه من حيث التأثير والأهمية العميد عون الفرجاني ابن عم حفتر، الذي شغل مناصب مهمة في عهد القذافي في الاستخبارات، وهو الدور الذي يقوم به الآن، ورغم المنافسة الخفية التي برزت بمجرد ترشيحه لخلافة حفتر إلا أنه يعد حلقة ربط بسبب علاقاته مع رجال النظام السابق وبعض أجهزة الاستخبارات الإقليمية، وما تكليفه بأمن القيادة العليا المتكونة من حفتر وجنرالاته إلا دليل أهمية قصوى للرجل، الذي يهمل بالتنسيق المباشر مع سليم الفرجاني الذي كان مسؤولا في جهاز الأمن الداخلي في عهد القذافي وهو المكلف بمتابعة ملف معارضي حفتر في الداخل والخارج.

   

  

هذه الحلقة الفرجانية لم تخل بالطبع من أبناء اللواء المتقاعد صدام وخالد الذي نشر موقع ميدل إيست آي بخصوصه مقطع فيديو يظهر قيام القوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر بتجنيد أطفال ليبيين، وأظهر الفيديو عددا من الأطفال وقعوا أسرى في يد قوات الوفاق، خلال المعارك التي دارت أثناء محاولة قوات حفتر السيطرة على العاصمة الليبية طرابلس، وصرح الأطفال إن المسؤول عن تجنيدهم هو خالد حفتر، الذي يحمل رتبة آمر لواء، بعد منحه رتبة نقيب دون انتسابه هو الآخر لكلية عسكرية.

 

أما نجله أبو القاسم فهو مسؤول عن إدارة مقر إقامة والده بمعسكر الرجمة ويملك مفاتيح المال والإدارة لعملية الكرامة. في حين يلعب ابن حفتر عقبة والمقيم في ولاية فرجينيا الأمريكية دورين مهمين، الأول، استثمار أموال الأسرة العسكرية عبر شبكة من الشركات وأسهم بالبورصة الأمريكية، ودوره الثاني هو مع سفير دولة الإمارات العربية المتحدة في واشنطن يوسف العتيبة عبر شركة علاقات عامة باسم عقبة حفتر و بالتعاون مع موظفين متقاعدين بالخارجية الأمريكية تعمل على تسويق مشروع حفتر لقيادة ليبيا في دوائر اتخاذ القرار في الإدارة الأمريكية، ولهذه المجموعة ذراع إعلامي يقوده ابن عم حفتر محمود الفرجاني مراسل قناة العربية بليبيا سابقا، وهو المدير العام لقناة ليبيا الحدث التي تبث من مدينة بنغازي ومحمود الفرجاني رئيس الفريق الإعلامي الدائم لرحلات خليفة حفتر الخارجية.

 

استنساخ حفتر لتجربة القذافي في الحكم من الغباء بمكان أن جعلته رجلا لا يمكن الوثوق في التحالف معه، فبالتأكيد سنفرد بالحكم المطلق لنفسه إن سيطر على العاصمة وأحلام الزعامة لن تجعله حتى يأتي بواجهة ليحكم باسمه من الواجهات المطروحة لحك ليبيا مثل سيف القذافي أو أحد معارضي معمر القذافي، بالرغم من توسيعه دائرة المزايا لتشمل رجال النظام القديم، إلا أن العلاقة معهم تتوتر باستمرار، بسبب رفضهم أن يكونوا مطية لحكمه وتأكدهم التام من تصفيتهم بأي شكل كان بعد الانتهاء من خدماتهم، ولمسهم تقلبات حفتر المشابهة تماما لتقلبات القذافي، فقد عين عسكريين في مناصب مهمة ثم أبعدهم ثم أعاد تعيينهم في لعبة ترفيع المقام والتهميش جعلت العديد يحجمون حتى عن ربطه بعلاقاتهم الداخلية أو الخارجية.

 

بقي فقط أن يسيطر حفتر على طرايلس وإعادة إخراج نفسه باسم خليفة الفرجاني ليتساوى مع مسبب هوسه وأستاذه الروحي معمر القذافي، لكن الزمن غير الزمن ولا نظن أنه سينال يوما ما يبتغيه والشعب الليبي الذي عانى ما عانى طوال 40 عاما سيقبل بقدافي جديد.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة