الهجرة السورية بين الهدم والبناء

في ظل الظروف الحياتية في بعض البلدان، يلجأ الكثير من الأشخاص إلى الهجرة الاضطرارية أو الطوعية خارج البلاد، والهجرة إلى الخارج قد تكون حركة بناء وقد تكون معول هدم تؤثر على الشخص وعلى المجتمع المضيف، كما أن كلمة الهجرة لها مفهوم مجازي وهي أنها مؤلفة من أربعة أحرف ولكن كل حرف فيها يمثّل ألمًا قاتل وشعور متقد الهاء هجر، الجيم جمر البعد الراء رعب، التاء توحّد.

  

هُجرَ النبي صلى الله عليه وسلم من مكة باكياً على فراقها حزين القلب لكن دخل المدينة بانياً مبتسماً يعمل بين أهلها على بناء مجتمع متماسك من كافة الجوانب ويعمل على استثمار الطاقات الموجودة لتكون هجرته بناء دولة فتحت العالم، رغم كل هذه المحن والابتلاءات في هجرتنا علينا أن نتأقلم مع واقعنا في الهجرة ونترك خلفنا بصمة وبسمة عند المجتمع المضيف كما فعل الصحابة في الحبشة حيث لم يقفوا عندما وجدوا الأمان لأنفسهم فقط بل قاموا بنشر العلم الرباني الذي تلقوه من سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام وتركوا أكبر أثر حيث أسلم رأس هرم الدولة النجاشي، يجب علينا أن نعرف الى أين نسير في هجرتنا هل نحو بناء من جديد أم هدم فوق هدم.

 

الهجرة السورية

لم تتوقف معاناة الشعب السوري الذي ذاق ويلات الحرب من أعوام على القتل والاعتقال والحصار بل تجاوزتها لتصل الى التهجير المنهجي حسب ما قال البعض وعبر عنه بالتغير الديموغرافي في المنطقة، وكان السبب الرئيسي لهذه الهجرة المفجعة للعالم النظام السوري القمعي الاستبدادي الذي طبق شعار الأسد أو نحرق البلد فنفجر الشعب وتناثر افراده بين دول العالم ولم يكن لهم حل سوى الفرار من مخاطر الحرب بكافة أنواعها بالوقت ذاته لم تكن حصيلة السنوات التي أنهكت فيها الحرب الطاحنة سهلة على الشعب السوري حيث كان الشعب بين مطرقة النظام وسنديان اتباعه مثل بعض التنظيمات التي تعمل لمصالحه حيث أنه هُجر الملايين من السوريين الذين أصبحوا يتوزعون في القارات الثلاث.

 

لكن رغم كل هذا الحزن لا يمكن لليأس أن يبقى في قلوب الشعب المُهجر حيث أبدع بعض المهاجرين في الدول المضيفة له بكافة الجهات التعليم والعمل وشواهد هذا كثيرة

وهذه الهجرة القاسية اسقطت كل الأقنعة المزيفة بحقوق الانسان وكانت كالفقاعة سرعان ما انفجرت بوجه السوريين في معظم الدول التي تدعي ما سبق. وأن الثورة السورية حين انطلقت كانت سلميةً واستمرت حوالي 8 أشهر لكن النظام القمعي الذي حاول طمس وغمس حقيقة الثورة والبسها من اليوم الأول اللباس الإرهابي وادعى أنها مؤامرة كونية صهيوامريكية لإسقاط نظام الممانعة والمقاومة الذي يتخفى به النظام الدكتاتوري الخائن العميل. وأن هذه الهجرة التي اعتبرها محللون بنكسة العالم وسموها بالهجرة العظمة في هذا العصر حيث شغلت العالم بأسره وإلى اين تسير هذه الهجرة وما هي مضاعفاتها على هذه الدول المستضيفة لهم.

 

يشكل السوريون حوالي ثلث عدد اللاجئين حول العالم حيث توزع السوريون في اصقاع العالم حيث يوجد في تركيا وحدها 4 ملايين لاجئ وفق إحصائيات الأمم المتحدة، حيث انتشروا بحثاً عن حياة بعد ما شاهدوا الموت الأحمر الذي يلاحقهم في كل مكان براً وبحراً ناهيك عن عدد الغرقى كل عام بين تركيا واليونان وأن هذا الشعب المنكوب حتى في هجرته التي اضطر عليها حاول المجتمع الدولي شيطنتهم في لجوئهم وأخذت الدول تتلاعب بهم في اجتماعاتها وقوانينها. ومع ذلك استغلت بعض الأحزاب قضية اللاجئين وكل حزب يعمل لصالحه ويتخذ من اللاجئين ورقة رابحة في تنفيذ مصالحه السلبية ضدهم.

 

لكن رغم كل هذا الحزن لا يمكن لليأس أن يبقى في قلوب الشعب المُهجر حيث أبدع بعض المهاجرين في الدول المضيفة له بكافة الجهات التعليم والعمل وشواهد هذا كثيرة، حيث ذكرت صحيفة "فيستفالن بوست" الألمانيّة في تقرير لها أن: "اللاجئ السوري نوري الإبراهيم ابن مدينة دير الزور، بدأ بتدريس مادّتي الرياضيات والفيزياء في مدرسة "هاسبه" الثانوية بمدينة هاغن الألمانيّة" وقالت الصحيفة في تقريرها إن: "قصّة الابراهيم خير مثال على نجاح اللاجئين في الاندماج بالمجتمع الألماني، وأمثلة كثيرة جداً تدل على الهمم العالية للشعب السوري في هجرته التي اجبر عليها معظمه".

 

الكثير من المحللين يقول إن هذه الهجرة هي سلاح ذو حدين فيها سلبيات وايجابيات وبالنظر إلى الواقع فإن العلامات تدل على أنها فعلاً سلاح ذو حدين حيث كانت الهجرة حركة بناء فعالة وفي الطرف الأخر معول هدم ولنرى ماهي الدلائل على هذا الكلام، الهجرة حركة بناء فعالة وسلاح قوة في يد المهاجرين:

 

-1 المكسب الأعظم هو أن يترك المهاجرون بصمة في قلب أي مكان وصلوا له وكأنه فتح إسلامي بالكلمة لا بالسيف بالخُلق لا بالنطق.

-2 إن الشعب السوري الذي هاجر إلى مختلف أصقاع العالم، رغم ما تعرض له من اثار الحرب معاناة الهجرة أبدع في نقل قضيته أين ما حل وهو ما يُعتبر امتداد للثورة في العالم بأسره.

– 3 كما أنه ساهم في الدعم المادي والاغاثي لمن من تبقى في الداخل السوري وهو العصب الذي يعيشون عليه في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة.

 

– 4 يعد الوعي ركن أساسي في بناء الدولة القوية وساهمت حركة الهجرة في نشر الوعي في بلاد اللجوء على الصعيد الفردي في زيادة مساحة الحرية للتفكير والابداع والخروج من قوقعة حكم الاسو المجتمعي بنشر وتوضيح حجم المعاناة التي أنهكت الشعب السوري للمجتمع الغربي المنصف منهم والعادل.

-5 أيضاً زاد توسع السوريين في دول العالم بعد الهجرة وساعد على الانتقال الى حياة كانت حلم للبعض منهم من كل النواحي الاقتصادية والعلمية كما أنهم تعلموا لغات عدة ومهارات مختلفة جديدة كانوا لا يعرفون عنها شيء قد تفيد في المستقبل وطنهم الأم.

– 6 إن تبادل الثقافات بين الدول والاندماج مع مجتمعات لها عادات وتقاليد جديدة ساعدت السوريين في اغناء المعرفة لديهم واكسابهم حقوق، وبعض الدول مثلاً أعطت الجنسية للبعض من السوريين وقد يكون لهم مكانة خاصة لم تكن لهم في بلدهم تشجعهم على الابداع والتطوير في أغلب المجالات العلمية والعملية.

  

ترك آلاف من العلماء بلادهم للبحث عن فرص أفضل في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وغيرها، وتؤدي هذه الحركة التي تُسمى هجرة العقول إلى تردي العلوم والصناعة في العالم العربي

هل كانت الهجرة معول هدم؟

من النظرة التحليلية للواقع المحيط بالمهجرين نقول تتجه نحو هدم من كافة الجهات:

1- إذ أن بعض الناس قد نسيت القضية الأساسية التي خرجوا من اجلها عندما اختلطوا بمدن غريبة عليهم.

2- كما أن البعض قد غير دينه بشكل فعلي بسبب الضغط الكبير من قبل الدول المضيفة التي تتبع سياسة إمساك العصا من الوسط فتارة بالترغيب وتارة بالترهيب.

3- وساهم بعض الأفراد في إعطاء صورة سيئة جداً عن الإسلام أولاً وعن العرب ثانياً في تعاملهم مع الحرية التي لم يعرفوها فأساءوا استخدامها.

4- ظهور حالات انحلال أخلاقي على كافة المستويات حيث زادت نسبة الطلاق بشكل مخيف جداً حسب احصائيات منظمة الهجرة العالمية.

 

5- تفشي ظاهرة عدم تربية الأولاد تربية أخلاقية إسلامية بسبب القوانين المجحفة في حق الطفل الذي قد يصل الى انتزاع الطفل من العائلة إذا اعتدوا على القانون.

6- استقلالية البعض عن أهله ومجتمعه والاندماج في مجتمعات وثقافات غريبة على المسلمين ونشوء أفكار مشوهة ومشبوها تتبناها بعض الدول وتدعمها مثل الالحاد.

7- يعاني كثير من المهاجرين صعوبة التلاؤم مع طرق الحياة الجديدة، إذ يتعين على المهاجرين تعلم لغة جديدة وتقاليد جديدة.

8- المهاجرون الذين تتم مماثلتهم تمامًا قد تنقطع بهم السبل بين العادات القديمة والطرق الجديدة التي فرضت عليهم وتتغير شخصيتهم وتتأثر بالمحيط.

 

9- لا يجد الكثيرون منهم سوى أعمال صعبة تستغرق ساعات طويلة وأجورًا منخفضة وظروف عمل سيئة، ويزداد امتعاض المهاجرين عادة في أوقات الكساد الاقتصادي عندما تقل فرص العمل مثل اليونان.

10- ترك آلاف من العلماء بلادهم للبحث عن فرص أفضل في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وغيرها، وتؤدي هذه الحركة التي تُسمى هجرة العقول إلى تردي العلوم والصناعة في العالم العربي.

 

أخيرا من خلال توضيح الصورة للهجرة من حيث الهدم والبناء نتأكد أن المُهجر اليتيم الذي أصبح بلا وطن سوف يكون نقطة انطلاق الجيل الذي سيأتي من بعده، ومهما حاولوا شيطنة اللاجئين في جميع الدول إلا إنها فترة مؤقتة لا أكثر قطعا، وأن حركة البناء سوف تقضي على معاول الهدم واحداً تلو الأخر بالفكر والوعي والمعرفة بعد أن تكون القاعدة الأساسية لجعل حركة الهجرة فتح جديد بطريقة جديدة أُجبروا عليها ومهما كان الأمر لا يخلى من انتكاسات كبيرة حصلت في الهجرة إلا إنها حصلت من بشر يخطئ ويصيب وحركة البناء الفعال ستكون خير شاهد على تغير ذلك بالتدريج.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة