صناعة الخوف في رواية الزيني بركات

تكمن أهمية الرواية كجنس أدبي في إتاحتها هامشا واسعا أمام الروائي لمعالجة القضايا والظواهر أي كان طابعها ودرجة حساسيتها، وباعتبار طابعها الرمزي والخيالي فهي من أيسر الوسائل للتعبير عن المواقف والأفكار، وهو ما لا تتيحه الأجناس الإبداعية أخرى التي تفرض على الكاتب التعبير الصريح عن مكنونات نفسه تجاه القضايا والمسائل المحيطة بالحياة العامة.

  

ففي ظل مناخ القمع والتضييق على الكلمة الحرة يحجم المفكر والمبدع عن نقد الظواهر المحيطة وكشف مواقفه الشخصية تجاهها لاعتبارات عدة منها تخوفه من التبعات التي تشمل مصادرة حقه في التعبير أو المحاكمة والملاحقة الامنية، ولهذا ظلت الدراسات والمقالات الصحفية التي تعالج وتنتقد سلوكيات الاستبداد والقمع معدودة، بينما نجد أن الأعمال الروائية كانت الاكثر جرأة في التطرق لهذه المحرمات.

  

تشكل رواية الزيني بركات لجمال الغيطاني إحدى النماذج القليلة والبارزة التي عالجت ظاهرة الخوف والقمع في المجتمعات العربية وعن العلاقة بين الرعايا والدولة، وذلك في قالب رمزي خيالي مستوحى من التراث الإسلامي، وبالضبط العقد الأخير من العصر المملوكي الذي شهد صراعا مريرا على المشرق الإسلامي بين الدولتين المملوكية والعثمانية، حيث يستنطق الغيطاني كتاب بدائع الزهور لابن إياس كشاهد معاصر لتلك الوقائع المثيرة بغية رسم مشاهد دقيقة عن مظاهر الحياة اليومية وتناقضات هموم طبقاتها الاجتماعية بين دسائس الصراع حول السلطة وانغماس المترفين في ألوان الترف والمجون في مقابل شقاء الكادحين وبسطاء الناس.

  

على خلاف ما يظهره في بدايات عهد الزيني من سعي للعدل ورفض للظلم سرعان ما تنكشف ملامح ازدواجية شخصيته بعد أن قلب توجهاته، فعادت مجددا ممارسات البطش والقمع والترهيب للعامة

تتمحور أحداث الرواية كما يشير عنوانها حول شخصية مركزية مسيطرة على كل مشاهدها وهي شخصية ولي الحسبة بركات بن موسى الذي يحمل لقب الزيني لجمال سيرته كما يظهر للوهلة الأولى، فمنذ لحظة إقراره في منصبه خلفا لسابقه علي بن أبي الجود نراه يسعى لفرض مكانته جامعا سلطة مطلقة تتداخل فيها الصلاحيات الدينية والدنيوية، ومدشنا عهده بالتقرب من العامة متوخيا حماية مصالحهم ومطبقا لشرع الله ورفع كل ضروب الاذى وأنواع المظالم والجور بعد سنون المعاناة التي كابدوها إبان ولاية المحتسب السابق علي بين أبي الجور الممقوت من العامة والخاصة.

  

ولتدعيم أركان الدولة وفرض هيبتها ينسج ولي الحسبة علاقات وطيدة بأجهزتها مستيعنا بكل امكانياتها بدءا بالمؤسسة الدينية ممثلة في شبكات الصوفية والمساجد لتسويق صورة مثالية ومشرقة عنه، وفي كثير الأحيان لا يتواني عن إلقاء الخطب للدفاع عن نفسه ودحض الاتهامات والشائعات الموجهة له أو لشرعنة مشاريعه وتبريرها للعوام اذا ما اقتضت الحاجة، أما حينما يتطلب الأمر الحزم والشدة لتقويم كل اعوجاج ووأد كل معارضة في مهدها فيستعين بأدوات القمع ممثلة في سجن رهيب يسمى بالمقشرة وبمنظومة استخبارات دقيقة وسيئة السمعة يديرها الشهاب زكريا بن الراضي كبير البصاصين أو المخبرين،  وهي شخصيىة أخرى محورية في الرواية تتسم بالجرأة والبطش الشديد وهو ما يفسر إمعانه في ممارسة التعذيب بطرق لم يسمع عنها إنس ولا جان وابتكاره أساليب غير معهودة للاستنطاق ورصد الاخبار.

  

وعن طريق المنولوج أو الحوار مع النفس تتضح معالم النزعة الاجرامية حين يعترف كبير البصاصين في فصول الرواية بجرائمه التي لم تقتصر على العامة فقط باختطاف البعض منهم ثم تعذيبهم بغية اضفاء هالة من الخوف والرعب داخل المجتمع المملوكي، بل امتدت حتى إلى خدام الدولة بعد اختطاف شعبان غلام السلطان الاثير والمحبوب بعد أن اشتبه في ميوله الجنسية ثم اغتاله بعد أن فشل في انتزاع اعترافاته، وفي مقابلهم تطفو على سطح الاحداث بين الفينة والاخرى شخصيات أخرى تجسد هوامش المجتمع ويمثلها سعيد الجهيني طالب العلم الازهري الذي تكشف حواراته النفسية آلام الكادحين ومآسيهم ومعانتهم اليومية أمام شطط أهل اليسار والنفوذ.

 

وعلى خلاف ما يظهره في بدايات عهد الزيني من سعي للعدل ورفض للظلم سرعان ما تنكشف ملامح ازدواجية شخصيته بعد أن قلب توجهاته،  فعادت مجددا ممارسات البطش والقمع والترهيب للعامة وإثقالهم بصنوف المغارم والجبايات بشكل أبشع بذريعة تمويل النفقات الحربية المتزايدة في ظل الصدام المحتدم بين القوتين المملوكية والعثمانية، وبين ثنايا الاحداث المتسارعة يحتدم الصراع مضمر بين جهازي الحسبة والبصاصين ليتسع بذلك شرخ عدم الثقة بين الطرفين وتشتد الدسائس فيما بينهم لتحجيم نفوذ كل منهما مسهمين بذلك في خلق جبهة داخلية أضعفت تماسك الدولة في وقت استفحلت فيه المخاطر الخارجية،  خاصة بعد أن شك كبير البصاصين في تورط ولي الحسبة الزيني فضلا عن عدة أمراء مماليك في العمالة والتخابر مع ابن عثمان دون أن يجد دليلا واحدا لإدانتهم، غير أن الوقائع اللاحقة سرعان ما أتبتث صحة هذه الشكوك مفضية في نهاية المطاف لاندحار المماليك نهائيا أمام قوات السلطان سليم الاول، والعجيب أن من كانوا سببا في الهزيمة تمت تزكيتهم في مناصبهم عرفانا بجميلهم وعلى رأسهم الزيني بركات.

 

الأمة التي لا تقرأ تاريخها محكوم عليها بإعادته والتجربة الانسانية مهما اختلفت الازمنة والامكنة هي نفسها بشقائها وآلامها

تكمن جمالية الرواية فضلا عن بعدها التراثي الذي يسافر بالقارئ في رحلة عبر الزمن إلى عوالم الماضي، في حمولتها الرمزية التي يمكن إسقاطها على الحاضر فكل تفاعلاتها وأحداثها وأبطالها هي كناية عن واقع العربي، إذ تعري لمثالب منظومة الاستبداد المهيمنة عليه وتكشف خطورة تحول أجهزة الدولة إلى بيروقراطيات منفصلة يطبعها التنافس وتدار بمنطق العصابات فوق سلطة القانون، فضلا عن تحذيرها من ممارساتها الاستبدادية المسؤولة عن خنق المجتمع وخلق حالة دائمة من القمع والخوف مما ينتج عنه في نهاية المطاف واقع سوداوي، والشاهد أن هذا العمل رغم كونه كتب في ستينات القرن الماضي إلا أن مضامينه عابرة للازمان فالواقع العربي أبي على التغيير عصي على التبديل وآفة الاستبداد والقمع ما تزال عقيدة الانظمة العربية رغم محاولات الاصلاح التي أطلقها الربيع العربي.

 

والأكيد أن مضامينها جاءت كصرخة تحذير من تنامي صراعات مراكز القوة داخل الدولة حول السلطة والثروة، فكما يقول الغيطاني في معرض حديثه عن دوافع إنجاز عمله روائي أنه جاء بعد تجربة القهر البوليسي وسيادة الصوت والرأي الواحد في مصر إبان عقد الستينات والتي كانت أحد أسباب فشل سياسة واعدة حمل لواءها زعيم كبير بحجم جمال عبد الناصر استهدفت تحقيق أحلام البسطاء وضمان العدالة الاجتماعية، وقد كان هاجس الخوف من الرقابة والقمع هو ما دفعه إلى الغوص في التاريخ وسبر أغواره حتى اكتشف ذلك التشابه المذهل بين الماضي والحاضر.

 

الأمة التي لا تقرأ تاريخها محكوم عليها بإعادته والتجربة الانسانية مهما اختلفت الازمنة والامكنة هي نفسها بشقائها وآلامها وكما كانت ظروف القهر واليأس والقمع التي خيمت على مصر المملوكية أحد أسباب انهيارها أمام قوات العثمانيين في مرج دابق والريدانية كانت ذات الاساليب نفس عوامل نكسة 1967 أمام الكيان الصهيوني، فالرقابة على المجتمع وتضييق هامش الحريات لا يقود إلا نحو الهزيمة والانكسار ولا تبنى الامم إلا بالثقة المتبادلة والتجربة الانسانية واحدة مهما كانت السياقات والحقب.



حول هذه القصة

ما يقارب خمسين سنة لم يكن لسوري أن يطلق قلمه أو صوته إلا بما يريده النظام الحاكم، مع أن سوريا كانت من أوائل الدول العربية التي نشط فيها الإعلام الحر.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة