هل يعرقل الخلاف بين الرئيس والنهضة حكومة الكفاءات؟

يبدو أن هناك اختلاف في الرؤى بين رئيس الجمهورية التونسية ورئيس الحكومة المكلف حول الحكومة الجديدة وهو ما دفع الجملي لتأجيل الإعلان عن قائمة حكومته إلى اليوم. وهو الأمر الذي أكده بلاغ الرئاسة التونسية حول مواصلة التشاور حول الحكومة رغم نفي الجملي خلال الندوة لوجود أي اختلاف بينه وبين الرئيس وتأكيده على التزام الرئيس بالدستور الذي لا يعطيه الحق في التدخل في تشكيلة الحكومة بل فقط إبداء الرأي في كل من وزير الخارجية والدفاع. كما أن بلاغ أمس لحركة النهضة يثبت اعتراضها على بعض الوجوه الواردة في تشكيلة الجملي لأسباب لم توضحها في بلاغها مما يدفع للاعتقاد أن هذه الحكومة لن ترى النور قريبا.

منذ البداية أثارت الحكومة الجديدة الكثير من الجدل وذلك بسبب تكليف رجل لا ماض سياسي معلوم له بل فقط عرف كموظف سام في الدولة التونسية تقلد مناصب إدارية عديدة بل إن وجوده في حكومة الشاهد يعود لخبرته في المجال الذي كلف به وليس لقدرته السياسية فهو رجل ومنذ البداية اتهم من قبل خصوم النهضة أنه مجرد دمية يحركها رئيس الحركة كيفما شاء. ولكن الوقائع التالية بينت أن الأمر ليس بهذه البساطة وأنّ ما يفتقده الرجل حقا إنما هو القدرة التواصلية الفاعلة. واتضح أنه لا ينقصه مكر السياسيين وخاصة حين أعلن عن رؤيته المفاجأة لحكومة كفاءات وطنية مستقلة تقصى الأحزاب والحركات السياسية. لقد راوغ بذلك الجميع. وإن كان البعض يرد هذه المراوغة لرئيس حركة النهضة.

فلا تزال الكثير من مؤسسات الدولة تشتغل بنفس الآليات القديمة ولم تصلها الثورة بعد ولا قيم الدستور الجديد ولعل ما يحدث في التلفزيون الرسمي التونسي أكبر دليل على ذلك

إن العجز التواصلي لرئيس الحكومة المكلف يتضح من سوء اختياره لكلماته التي قد تدفع أحيانا إلى تأويلات ليست في مصلحته وهو ما تجلي من إشارته للبطاقة عدد 2 سيئة الذكر وللتطبيقية في اختيار الكفاءات الوطنية في لقاء أمس. فالبطاقة عدد 2 (B2) هي بطاقة أمنية سرية تعتمدها وزارة الداخلية قبل الثورة لمنع معارضي النظام وخاصة الإسلاميين من الالتحاق بالقوات الأمنية والعسكرية ومن المناصب العليا للدولة. وكان يعتمد في وضعها على الوشاة والقوادين والبصاصين (الجواسيس). حيث كان للدولة عيون في كل مكان تراقب الناس وتنقل أخبارهم لتوضع في تلك البطاقة السرية التي لا يعلم عنها أحد أي شيء. بل حين طالبت السيدة سهام بن سدرين الاطلاع عليها بصفتها رئيسة هيئة الحقيقية والكرامة رفض طلبها ومنعت من ذلك.

إن اعتماد الجملي على هذه البطاقة يعد نوع من الفرز الأمني للمواطنين يتعارض كليّا مع الثورة وقيمها ومع دستور الجمهورية الثانية ويعتبر انتكاسة كبرى تهدد المسار الديمقراطي كله. إنه خطأ جسيم بكل المقاييس السياسية والتواصلية. وقد فهم هذا القرار على أنه اقصاء متعمد لكل الكفاءات الوطنية المستقلة ذات الخلفية الفكرية الإسلامية ولكل من له شبه التمسك بالهوية العربية الإسلامية لتونس ذلك أنه قبل الثورة يكفي أن تصلي الفجر حاضرا حتى تمنع من كل مناصب الدولة التونسية العليا لأن الدولة كانت تعتمد سياسية تجفيف المنابع وكان لتلك السياسية منظرين عديدين من اليسار المتطرف المعادي للإسلاميين والإسلام الذي كان يهيمن على كل مفاصل الدولة التونسية وخاصة على أخطر مؤسسة أمنية وهي أمن الدولة. لقد كان أقطاب التعذيب والتنكيل بالمعارضين قبل الثورة من اليسار المتطرف المتحالف مع النظام القائم حينها.

لقد فهم من تأكيد الجملي على العودة لمؤسسات الدولة لفرز المترشحين المستقلين للحكومة أنه عودة للبطاقة عدد 2 وأنه في النهاية سيقصى الإسلاميين من الحكومة وما يتبع ذلك من اقصاء من باقي مؤسسات الدولة كما حصل سابقا مع مهدي جمعة الذي عزل أكثر من مائة معتمد (سلطة محلية) فقط لأنه تم اختيارهم من قبل النهضة وإن كان أغلبهم من العاطلين عن العمل ولا علاقة لهم بها سياسيا وفكريّا. وهذا الأمر نظر له أنصار الحركة على أنه قطع لليد التي أكرمته باختياره رئيسا للحكومة. كما اعتبره بعض النشطاء المستقلين انتكاسة عن قيم الثورة وضرب للمواطنة التي تساوي بين الجميع في خدمة الوطن.

إن حديث الجملي عن اعتماد تطبيقية تُجمع فيها معطيات حول الكفاءات التونسية بالخارج لتعتمد مستقبلا في اختيار من يحكم البلاد من المستقلين ليست إلا ضربا أخر من البطاقة عدد 2 ذلك أن من سيجمع المعطيات حولهم ليس إلا الملحق الأمني في السفارات التونسية وهؤلاء لا يزالون يعتمدون نفس طرق ما قبل الثورة ونفس المقاييس التي تقصى وبشكل صارم كل من لا ينتمي فكريّا للتجمع المنحل وما حصل أخيرا من اقصاء لأحد النواب من حضور حفل بمناسبة ذكرى أحداث 17 ديسمبر من قبل أحد قناصل تونس في ألمانيا لأنه ينتمي لائتلاف الكرامة إلا دليل على ذلك. فلا تزال الكثير من مؤسسات الدولة تشتغل بنفس الآليات القديمة ولم تصلها الثورة بعد ولا قيم الدستور الجديد ولعل ما يحدث في التلفزيون الرسمي التونسي أكبر دليل على ذلك.

إن الاعتماد الكلي على الكفاءات التونسية في الخارج ليس أمرا محمودا في كليته وأن كان يسمح لأبناء تونس خارج الوطن بالمشاركة في تقدم وطنهم. إلا أن تلك الكفاءات ليست كلها معنية بمصلحة تونس فالبعض منها له علاقات مشبوهة مع أطراف خارجية وداخلية معروفة بعدائها للثورة وتحالفها مع القوى التي تريد الفشل للتجربة التونسية. فالشخصيات التي برزت فجأة مؤخرا في كل القنوات الإذاعية والتلفزيونية الممولة من قبل المافيا الفاسدة في تونس ليست إلا كفاءات مشبوهة وتخدم أجندات ليست بالضرورة تلتقي مع أجندة الوطن. يوجد في تونس آلاف من الكفاءات الوطنية المستقلة ذات الكفاءة العالية ويمكن لرئيس الحكومة المكلف أن يختار منها ما يشاء إن ابتعد عن منطق الإرضاء لهذا التيار أو ذاك.

إن التصويت لفائدة هذه الحكومة من قبل النواب – وهو أمر متوقع ليس لاقتناعهم بها بل حفاظا على امتيازاتهم ومصالحهم فالكل يعلم أن انتخابات جديدة تعنى خروجهم من المشهد السياسي والأهم فقدانهم لامتيازات المجلس وخاصة فقدان من لهم شبهات فساد للحصانة – هو إساءة للثورة والدولة معا. فما فائدة الديمقراطية إن تحولت الدولة إلى دولة بيروقراطية يحكمها الكفاءات. ألم تكن تلك الكفاءات أداة الاستبداد للسيطرة على البلاد ولا تزال في العديد من الدول؟ لماذا انتخب الشعب الأحزاب إن كان هؤلاء سيسلمون الدولة للتقنيين؟ ألا يفترض منطق الدولة أن التقنيين مجرد مستشارين لرجال السياسة الذين من واجبهم قيادة الدولة وبناء الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لها.

إن الأزمات التي تعيشها تونس على كل المستويات والإصلاحات الكبرى التي تنتظرها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتربوي والصحي تحتاج إلى فاعلين سياسيين وليس إلى تكنوقراط. إن الحل الأمثل لتونس في ظل الصراعات والتباين الكبير بين القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في تونس هو العودة للشعب من خلال انتخابات جديدة تحسم الأمر لهذا الطرف أو ذاك على شرط ان تتم في إطار القانون الانتخابي الجديد الذي يوجد في أدراج مكتب الرئيس وينتظر منه الإمضاء بعد أن عجز الرئيس السابق المرحوم الباجي قايد السبسي عن إمضائه بحكم مرضه.



حول هذه القصة

تبرز منهجية البروفيسور التي تنادي بتدريس الفلسفة للمراحل الأولى للابتعاد عن العنف، والمناداة بالتزام الدولة بالمعاهدات الرئاسية بصرف النظر عن تبدل الحاكم والبعد عن التفنن في إطلاق الوعود الانتخابية الزائفة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة