مقتل سليماني وتناقضات الشرق الأوسط

ودّعت حشود حاشدة من الإيرانيين امتدت على مرأى الأعين جنرالَ الموت "قاسم سليماني" يومي الأحد والاثنين 5 و6 يناير واصفين إياه بالبطل والشهيد، في حين كان الثوار السوريون على جبهات القتال في جنوب وجنوب شرق إدلب يوزعون "الحلوى" بمناسبة قتله واصفين إيّاه بأنّه "مجرم حرب" فقد كان سليماني هو مهندس الاستراتيجية العسكرية البرية التي أطاحت بالثورة السورية منذ عام 2013 تقريبًا، ثمّ برز اسمه أكثر منذ كسبه للحرب في حلب في ديسمبر 2016 التي أدّت إلى هزيمة الثوّار السوريين وقتل آلاف السوريين وإخراج ما يزيد عن 400 ألف سوري من ديارهم.

  

أبرز مقتل سليماني العديد من التناقضات والمقابلات المؤلمة في منطقة الشرق الأوسط على السطح، بعد أن كانت مغمورة تحت غطاء الإنكار والخطابات الكاذبة. ففي حين كان سليماني قائد "فيلق القدس" الذي أنشئ مباشرة بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1980 إلاّ أنّ الفيلق ضلّ طريقه إلى القدس في أربعين عامًا، في حين وصل إلى بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء. لم تكن القدس إذن سوى الوعد الكاذب الذي وعد به فَيلَقُها ليغطّي على المشروع الأساسي وهو "تصدير الثورة الإيرانية" في دول الجوار العربي وهو المشروع الذي بدأ عام 1980 واستمر ليحقق مكاسب كبيرة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 ثمّ بعد الثورات العربية في 2011 ثمّ بعد هزيمة داعش في نهاية 2017. إذن فالقدس، بل والقضية الفلسطينية برمّتها ليست ذات جوهرية ومركزية لإيران، بل هي النهاية الجغرافية المتوسطية لمشروع النفوذ الإيراني في منطقة الهلال الخصيب.

  

ليس من المستبعد أن تتبع الولايات المتحدة مع إيران نفس تكتيك الحرب الذي اتبعته في القضاء على داعش، أي الضربات الجوية الخاطفة والمحددة والسريعة بجانب توظيف ميليشيات برية في المواجهة المباشرة

كما تخبر الحشود الحاشدة من الإيرانيين في جنازة سليماني بطهران عن مدى الدعم الشعبي الإيراني الكبير لمشروع تصدير الثورة الإيراني في الجوار العربي، في حين يأتي المقابل الآخر على الأرض السورية حشودًا حاشدة كذلك ولكن ثائرة على النظام الأسدي الذي تدعمه إيران وتحميه من السقوط، ثمّ رأينا كيف أنّ الحشود الحاشدة السورية الثائرة تتفرّق وتتشرذم بين قتيل وسجين ومشرّد ومهجّر. ولم يكن يحدث هذا سوى بتأييد الحشود المقابلة في إيران. الغني عن الذكر أنّ الحشود في الجهتين المتقابلتين يدينون بنفس الدين، بل ويظهر كثيرٌ منهم نفس درجة التدين بهذا الدين. وهو ما يجعلنا نفكّر فعليًا أنّ افتراق القومية: الفارسية في جهة والعربية في الجهة الأخرى هو الفاصل والحاسم في تقرير حالة العداوة.

  

تناقض آخر يبرز على السطح وهو موقف "حماس" من مقتل سليماني، فقد سارع إسماعيل هنية إلى السفر لإيران في زيارة عاجلة معزيًا في قاسم سليماني في خطوة ولاء واضحة. وقد تنامى إلى علم "هنيّة" أنّ سليماني قاتَل الثوار السوريين في حلب وتسبب في قتل وتهجير الآلاف المؤلفة من السوريين في ظاهرة تشاكل ما فعلته إسرائيل في فلسطين من قتل وتهجير الآلاف المؤلفة من الفلسطينيين مع اختلاف الزمان. فهل يمكن لمن يرتكب جرم القتل والتهجير أن يدافع ويناصر شعبًا وقع عليه نفس الجرم؟ وأين هو من دفاع ومناصرة الشعب الفلسطيني في حين أنّه يخوض حروبًا بلا هوادة في المنطقة العربية منذ أربعين عامًا كان بالإمكان ألاّ تحدث وأن تُسخّر الموارد لنصرة فلسطين لولا أنّ مشروع تصدير الثورة الإيرانية هو الأولوية الأولى.  

  

أمرٌ آخر يتضح أكثر وهو أنّ الولايات المتحدة لا تزال في عداوة واضحة مع إيران، ولا يزال حادث احتجاز الرهائن الأمريكيين الـ 52 عام 1979 في السفارة الأمريكية أكثر من عام تذكره وزارة الدفاع الأمريكية التي نشرت بيانًا عنه في الرابع من نوفمبر الماضي بعنوان "أربعون عامًا بعد أزمة الرهائن: لا تزال إيران مرتعًا للإرهاب." إذن لم يكن الأمر سوى استراتيجية وتكتيك من الولايات المتحدة أن تقضي على داعش أولاً وتيسر لجميع الميليشيات المقابلة بما فيها ميليشيا حزب الله العراقي محاربة داعش، لتتكبد الولايات المتحدة أقلّ الخسائر في هذه الحرب التي استمرت خمس سنين وكُلّلت بمقتل أبوبكر البغدادي في 26 أكتوبر 2019.

  

ليست صدفة إذن أن يُقتل قاسم سليماني برفقة أبو مهدي المهندس القائد في كتائب الحشد في 3 يناير 2020 أي بعد أن فرغت الولايات المتحدة من آخر فلول داعش، وبعد أن أدرجت الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع له في قائمة المنظمات الإرهابية في إبريل 2019. إذن ليس من المستبعد أن تتبع الولايات المتحدة نفس تكتيك الحرب الذي اتبعته في القضاء على داعش، أي الضربات الجوية الخاطفة والمحددة والسريعة بجانب توظيف ميليشيات برية في المواجهة المباشرة. هذه المرة، سيكون هذا التكتيك من نصيب الميليشيات العراقية الموالية لإيران. ولا نعلم إن كانت الولايات المتحدة   ستستجيب للمناشدات الدولية بضبط النفس للتراجع عن هذه الحرب أم لا، لأنّ الحرب على إيران في الأراضي العراقية لن يكون حاسمًا ونهائيًا مثل الحرب على داعش، بل قد يُدخل المنطقة في مسار لا يمكن التنبؤ به بدقة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة