ماذا تستفيد إيران من دعمها لحماس؟

لعلّه من البَداهة إدراكُ أهداف حركة حماس في تَمْتين علاقتها مع إيران، ولكنّ الذي قد يحتاج تحليلاً وتعمّقاً هو دوافع إيران من دعمِ حركةٍ لا تتفق معها مذهبياً، ولا تَتماهى معها في كثيرٍ من القضايا الإقليمية -وفي مقدّمتها- الثورة السورية، مع ما يجلب لها من تضييق وضغوط من الأطراف الداعمة لإسرائيل وعلى رأسهم أمريكا. بنظرةٍ واقعية؛ فإنّ الدول ليست جمعيات خيريّة تَهبُ أموالها دون مقابل، لذا فإن هذا المقال يسعى للوقوف على الخلفيات والمصالح الأصيلة، والتي تبْتغيها إيران من المدّ المالي والعسكري الذي تمنحهُ لحماس.

 

هناك محطّات زمنيّة ترسم بدايات العلاقة بين حماس وإيران، ووصولاً لما آلت عليه حتّى يومنا هذا. حماس التي تأسّست عام 1987 كمولودٍ إسلامي مقاوم من رحم الإخوان المسلمين، وترافق هذا مع اندلاع الانتفاضة الأولى "انتفاضة الحجارة"، والتي شهدت تسارعاً في نشاطات الحركة ضدّ الاحتلال، وتوسّعا في قاعدتها الجماهيرية. بروزُ حماس كطرف فاعل؛ دفع إيران لدعوة الحركة لِحضور مؤتمر في طهران عام 1990 لدعم الانتفاضة، وأرسلت حماس وفدا يمثّلها. 1991 سمحت إيران لحماس بفتح مكتب يُمثّلها في طهران.

 

عام 1992 قامت إسرائيل بإبعاد ما يَربو على 400 قائدٍ وكادرٍ فلسطيني إلى مرج الزهور في جنوب لبنان، وكانت غالبيتهم من حماس. هذا الحدث في بعض أبعاده؛ مكّن لحماس انفتاحاً خارجياً، وأكسبها تعاطفا تَباين شعبيا ودولياً، وجاءت وفود إيران وحزب الله لمخيّم المُبعدين تقدّم الدعم لهم، وعلى إثر ذلك زادت معرفة إيران بطبيعة الحركة، ونمت العلاقة بينهما نوعا ما. 2006 فازت حماس بالانتخابات التشريعية، وشكّلت الحكومة العاشرة، والتي حوصرت بشكل كبير.

 

تَغيّر طبيعة المواجهة بين إسرائيل وحماس، والذي وصل لشنّ أكثر من حرب على غزة؛ وهذا صعّب انفكاك حماس عن الدعم الإيراني، لأنها تقدّمُ إسنادا عسكريا لا يجرؤ غيرها عليه

أدركت إيران دور حماس المحوريّ في القضية الفلسطينية، فأغدقت على الحركة دعمها المالي والعسكري. مع اندلاع الثورة السّورية، وعدم تأييد حماس لنظام بشّار؛ تراجعت علاقة الحركة بإيران، وانحسر الدّعم، ولكن دون حدّ القطيعة. أواخر 2017 مثّلت زيارة وفد من حماس لطهران إعلان تعافي العلاقة ممّا عكّرها، وعودة الدّعم الإيراني غير المشروط كما جاء على لسان أكثر من مسؤول حمساوي.

 

إيران التي تمتلك مشروعا توسّعياً تحت مبدأ "تصدير الثورة"، وتحت غطاء "نصرة المُستضعفين"، ومن هذا المُنطلق يَبرزُ أحدُ الأسباب في دعم حماس. من سِمات مشروع إيران أنه إقليمي، وهذا يعني أنه يبغي تأثيرا في البلاد العربية والإسلامية، والطيف الأكبر من هذه الشعوب يؤيّد المقاومة، ويُعادي إسرائيل، وهنا تظهر إيران على رأس تطلّعات شعوب المنطقة. فدعم حماس -التي لها رصيد جماهيري داخلي وخارجي- يُكسُب إيران قوة ناعمة كنموذجٍ يجذبُ إليه مُحبّي حماس والقضية الفلسطينية، لذا فإنك تسمع من بعض النخب العربية وعوامهم؛ من يمدح إيران، ويدعم مشروعها طواعية، والسبب المقاومة وفلسطين. إيران عبر دعمها لحماس تُظهر نفسها كمشروعِ الأمّة الإسلامية وليس لطائفة "الشيعة" حسب، لأن حماس مقاومة "سنية"، ولا يوجد عندها مؤشّرات ولا توجّهات مذهبية للتقارب مع "الشيعة".

 

طبيعة العلاقة التنافسية بين إسرائيل وإيران؛ تقف في خلفيات دعم الأخيرة لحماس. يذهب البعض بعيداً في نظرية المؤامرة؛ بوصفه الصراع الإسرائيلي الإيراني بأنه خيوطُ مسرحيّة ليس إلّا، وما يجمعهم أكثر ممّا يفرّقهم، ويُغالي آخرون بجعل إيران عدوّ إسرائيل عقائديا ووجوديّا، وأنّ من غاياتها الكُبرى تحريرَ فلسطين. إسرائيل كَكيان توسّعي يسعى للهيمنة على المنطقة، وفي سبيل ذلك تبنّت استراتيجية من مُفرداتها أن تُعيق صعودَ أيّ دولة مؤثرة، حتّى لا تتفوّق عليها في الإقليم، وبهذا فالطّموح الإيراني التوسّعي يتعارضُ مع بعض مصالح إسرائيل، فالعلاقة للتنافس أقرب منها للعداء. ولوغُ إيران في الدم السّوري، ودعم الانقلاب الحوثي؛ من الأدلة التي تُثبت أنّ إيران ليست بوصلتها إلى "نصرة المُستضعفين"، بل ما يُمكّن لتوسّعها وطموحها.

  

تحت التوصيف السابق، فإن إيران تدعم حماس عدوّ إسرائيل اللّدود، حتى تظلّ إسرائيل منشغلة باحتلالها، لأن الأمور لو استقرّت في فلسطين بما تشتهيه إسرائيل، فإن خطوات الهيمنة ستتوسّع في المنطقة، وهذا قد يكون في بعضه على حساب إيران، فوجودُ الجبهات المفتوحة حول إسرائيل مثل غزة، أو تلك المحتملةِ الاشتعال في لبنان وسوريا؛ يُمثّل أحد وسائل إيران في تعديل ميزان القوى في صراعها مع إسرائيل. أمّا إسرائيل فاستغلت تدخّلات إيران وجعلتها فزّاعة لتحرف الأمة عن صراعها مع الاحتلال، وتجلّى ذلك في تخطّي ما كان محرّما بالسابق، عبر إعلان مؤشّرات التطبيع مع بعض الأنظمة العربية.

  

في ظلّ الضغوط الإقليمية والغربية والأمريكية على إيران؛ بسبب ملفّها النووي وقضايا أخرى، فإنها تُجيد نقل الصراع وتشتيت الأنظار، وإظهار نفسها كمن يملك مفاتيح بعض الأزمات، فلا تُحلّ إلّا بها. إنّ الإقليم المُشتعل خارج حدود إيران يُقلّل من احتمالية المواجهة على الأراضي الإيرانية، فإيران تَعتبر سورية واجهةً أمامية وكذلك اليمن، وبذلك تستنزفُ جهود خصومها، وتجعل مَنْ يُفكر بمواجهة إيران أن يضع في حسابه جبهات مُحتملة الانفجار، فاليمن وسورية والعراق ولبنان، وبدرجةٍ أقلّ في فلسطين. هذه الأزمات المُتجدّدة والمفتوحة وقضيّة فلسطين في مقدّمتها؛ تُشتُّت التركيز عن إيران، وفي نفس الوقت تجعل من إيران لاعبا مؤثرا ومركزيّا في المنطقة، فلا يُمكن تجاهله في أي صراع أو تسوية في المنطقة.

 

المؤشرّات الظاهرة من دعم إيران لحماس؛ تُبدي أن الحركة لم تَرتهن في قراراتها لإيران أو غيرها، وهذا ما أكدّه الزّهار أحد قادة حماس في مقابلة له مع قناة الميادين بعد مقتل سُليماني، بأن الحركة لن تذهب في صراعات خارج فلسطين، ولن تكون في لعبة المحاور. إيران اكتفت باستمرار الثّناء عليها من قبل قادة الحركة كداعمةٍ بارزة للمقاومة والقضية الفلسطينية، وهذا يُحقّق أهدافها البعيدة والتي أُشيرَ إليها في ثنايا المقال.

  

حماس التي اعتمدت كثيرا في دعمها على مُحبّيها وأنصارها من الشعوب العربية والإسلامية؛ تُعاني من تضييق غربي وعربي تتزعّمه دول الثورة المضادة (الإمارات، والسعودية، ومصر)، والتي هي تزدادُ تقاربا مع إسرائيل، ممّا جعلها بحاجة أكبر للدّعم الإيراني. تَغيّر طبيعة المواجهة بين إسرائيل وحماس، والذي وصل لشنّ أكثر من حرب على غزة؛ وهذا صعّب انفكاك حماس عن الدعم الإيراني، لأنها تقدّمُ إسنادا عسكريا لا يجرؤ غيرها عليه، وهي تَتباهى به لأنه يخدم أهدافها. فيما يبدو فإن الدعم الإيراني لحماس سيستمرّ، وقد يزداد، مع تقاطعِ المصالح بينهما، ما لم تصل إيران لصفقة مع الغرب تحفظُ مصالحها، وتُحقّقُ بعض طُموحها وآمالها التوسّعية في المنطقة.



حول هذه القصة

حركة حماس بخلاف عادتها تجاه القضايا المهمة والإشكالية، أعلنت بعد ساعات قليلة من جريمة اغتيال قاسم سليماني بياناً رسمياً نعت فيه “الشهيد”، وحرص قياديوها بغزة على الإطلالة عبر وسائل الإعلام.

رغم كل الأحداث السيئة التي بقيت عالقة في ذهني عن مقر المخابرات، إلا أن صموده بتاريخه الدموي وجدرانه المهشمة، يثبت أن سفينة غزة تأبى الغرق، كما قاومت سفينة نوح الطوفان.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة