لماذا يصعب على الديمقراطيين عزل الرئيس ترامب؟

يدرك المتعمق بطبيعة النظام السياسي الأمريكي أن الاصطفاف الحزبي لا يمثل بالضرورة أيديولوجية الحزب، وعلى الأغلب تتأثر سياسات الحزب، حتى المغايرة لمبادئه، بالعديد من القوى الداخلية التي تسعى للتأثير بالشارع الأمريكي عن طريق الإعلام من جهة، وإجبار الكونغرس على اتباع سياسات معينة ترسمها شبكات رسم السياسات من المستودعات الفكرية والجمعيات ومجموعات الضغظ من جهة أخرى. تتبع هذه المقالة نظرية هيمنة الشركات لعالم الاجتماع السياسي الإمريكي دومهوف (Domhoff’s Corporate Dominance Theory)، للإجابة على السؤال الرئيس من خلال الإجابة على ثلاث أسئلة: ما مكونات ومقومات التيار المعارض لترامب؟ وما هي مكونات ومقومات التيار المساند لترمب؟ وما هي نقاط القوة التي يلعب عليها الخصمان كي يطيح أحدهما بالآخر؟

من يحكم أمريكا؟

أصدر دومهوف كتابه "من يحكم أمريكا؟" عام 1967، وقد وصل للنسخة الثالثة عشر حتى يومنا هذا ما يعني أنه كتاب لاقى اهتماماً أكاديمياً وسياسياً واجتماعياً. ويرافق الكتاب موقع إلكتروني (whorulesamerica.net) تتاح فيه بيانات مجانية لكل من يريد أن يجري بحثاً علمياً عن الموضوع. تفيد نظرية هيمنة الشركات لدومهوف أن تلك الشركات متمثلة في طبقة النخبة الاقتصادية الأمريكية تحكم أمريكا من وراء الستار ومن خلال شبكات تتوزع على أربع مستويات: شبكة الاقتصاديين، وشبكة السياسيين، وشبكة العسكريين، وشبكة الإعلاميين.

يحكم الكثير منا على أمريكا من خلال مسلسلات "نيتفليكس" أو أفلام "هوليود" فيظن أن الشعب الأمريكي لا دين له. في حقيقة الأمر، الشعب الأمريكي يعتبر من أكثر الشعوب الغربية تديناً. وتدعم غالبية المتدينين الرئيس ترمب

ورغم أن الموضوع قد يبدو للقارئ على أن هناك اتفاق تام بين تلك المكونات، إلا أن الأمر فيه الكثير من التداخلات المبنية على حساب المصالح للشركات. بمعنى أن شركات الصناعات العسكرية قد تتحالف مع شركات النفط من أجل تحقيق مصالحها كما حصل في غزو العراق. وقد تتحالف شركات التقنية التعليمية على اختلاف مرجعيتها الأيديلوجية (ليبرالية أو يمينية) من أجل الضغط لتمرير قانون معين في الكونعرس لخدمة مصالحها.

اللافت في الأمر أن العديد يظن أن صعود ترمب للسلطة كان محض مفاجأة، وأن شخصيته المثيرة للجدل وصراحته الوقحة قد تفضي إلى أنه لا يمثل مشروعاً ناتجاً عن صراع تحالفات بين الشركات التي تدعم الوطنية الشعبوية من جهة والشركات التي تدعم الليبرالية العالمية من جهة أخرى. وهذا أدى بالضرورة إلى حالة من الانقسام لم يشهدها المجتمع الأمريكي منذ عهد الصفقة الجديدة والاقتصاد الكنزي في ثلاثينيات القرن المنصرم. فمن هو التحالف المؤيد لترمب ومن هو المعارض له؟

التجمعات النخبوية المؤيدة لترمب

– مجمع الصناعات العسكرية
من أبرز المؤيدين لترمب ما يعرف بمجمع الصناعات العسكرية (MIC) ممثلاً بالجمعية الوطنية للصناعات العسكرية التي تضم في عضويتها 9000 شركة و26000 عضو. وتدعم هذه الطبقة من نخبة الشركات ترمب، لأنه يسوق لمنتجاتها العسكرية. وتأتي صفقة بيع الأسلحة للسعودية بما يقرب من نصف تريليون دولار كدليل على هذا التحالف، كما أن تجزئة الصفقة على عدة دفعات جاءت لتضمن ولاء المجمع الصناعي العسكري لترمب لأطول مدة ممكنة. ومن أهم أسباب دعم الشركات العسكرية لترمب أنه يؤجج حالة من العداء مع الصين وكوريا الشمالية الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الطلب على المعدات العسكرية والأمنية. ومن أبرز عوامل التأثير للمجمع الصناعي العسكري أن شركاته منتشرة في المناطق النائية الأمريكية وحائزة على ولاء المواطنين هناك، ما يعني أن أي عضو في مجلس الشيوخ من تلك المناطق لن يجرؤ على التصويت للإطاحة بترمب لأنه سيخسر قاعدته الانتخابية.

– الجمعية الوطنية للصناعيين
هذه الجمعية من أبرز المستفيدين من سياسات ترمب في إلغاء اتفاقيات التجارة الحرة لأنها تضررت منها على مدار عقدين من الزمن. وقد قدم لهم ترمب خدمة جليلة في إلغاء اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا واوسبتدالها باتفاقية التجارة الأمريكية المكسيكية الكندية. حيث أن تلك الاتفاقية ستعزز من تنافسية الشركات الصناعية الأمريكية المحلية وستضمن انسياب بضائعها في شمال أمريكا مع تضييق الخناق على المنتجات الصينية المنافسة.

– الغرفة التجارية الأمريكية
تعتبر الغرفة التجارية الأمريكية من أعرق مؤسسات رسم السياسات التي تتسم بكونها من أقصى اليمين. وقد استفادت الشركات الأعضاء في غرفة التجارة من إلغاء اتفاقيات التجارة الحرة ومن رفع التعرفة الجمركية على المنتجات الصينية والمنتجات من دول أخرى أيضاً ما أدى إلى إكساب المنتجات الأمريكية المحلية ميزاً تنافسية من حيث السعر. الأهم من ذلك كله، أن الشركات الأعضاء في غرفة التجارة الأمريكية والجمعية الوطنية للصناعيين تنتشر بشكل واسع في ولايات "حزام الإنجيل" وتوظف ملايين العاملين. وهي قادرة على التأثير في الميول الانتخابية للمدن والقرى التي تتواجد فيها.

– اليمين المتطرف والمتدينون
يحكم الكثير منا على أمريكا من خلال مسلسلات "نيتفليكس" أو أفلام "هوليود" فيظن أن الشعب الأمريكي لا دين له. في حقيقة الأمر، الشعب الأمريكي يعتبر من أكثر الشعوب الغربية تديناً. وتدعم غالبية المتدينين الرئيس ترمب، بل ويتعتبره بعضهم "هدية من الله". وقد استطاعت مجموعات الاعمال المساندة لترمب أن تركب موجة المتدينين من أجل تحقيق مصالها، من جهة، ومن أجل تحجيم أفكار اليسار الاقتصادي الشعبوي من جهة أخرى.



– التجمعات النخبوية المعارضة لترمب

مما لا شك فيه أن التجمع المعارض لترمب هو التجمع الأقوى ليس في أمريكا وحسب، بل هو عابر للقارات. وهو يلعب دوراً محورياً في رسم سياسات أمريكا الخارجية، وحتى الداخلية إلى حد بعيد. وهو الأقوى في أمريكا منذ نشوء النيوليبرالية في ثمانييات القرن المنصرم. يمتلك شبكات رسم سياسات وجمعيات ومستودعات فكرية وجماعات ضفط أكثر من أي تجمع في العالم. وفيما يلي أبرز مؤسساته وأقواها.

– طاولة الأعمال المستديرة
بحسب دراسات دومهوف، فإن تجمع طاولة الأعمال المستديرة يعد مركز الأهمية وجذب العضوية في شبكات رجال الأعمال. وهو الأكثر تأثيراً على السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية. وعلني هنا أذكر أن رئيس الطاولة المستديرة في العام 2017 كان جيف بيزوس رئيس شركة أمازون الذي يقاضي السعودية لاختراق هاتفه والتسبب في خسارته لزوجته ونصف ثروته. وهو مالك صحيفة الواشنطن بوست التي كان يكتب لها الصحفي جمال خاشقجي (رحمه الله).

– الأمريكان من جماعة بلدنبيرج
هذه جماعة من أصحاب أكبر رؤوس الأموال في العالم وتجتمع مرة كل عام في حين أن لها سكرتارية عامة وجهاز تنفيذي ينفذ سياساتها. وتدير هذه الجماعة ما يقرب من 40 تريليون دولار في الأسواق المالية العالمية و"وول ستريت" هو قلبها النابض. لذلك تعتبر تلك الجماعة أن العولمة ركن ركين في استمراريتها وبقائها. وهنا تبرز كبريات المؤسسات المالية في "وول ستريت" كأكبر المتضريين من قرارات ترمب في الحرب التجارية مع الصين والانسحاب من اتفاقيات التجارة الحرة.

– لجنة التمنية الاقتصادية
تعتبر تلك اللجنة من أقدم شبكات التأثير في رسم السياسات الأمريكية. وتتيم بكونها من الداعمين للنيوليبرالية. وقد كانت تلك المفوضية اللاعب الرئيس في رسم سياسات الإطاحة بجماعات الصفقة الجديدة منذ خمسينيات القرن المنصرم.

– مجلس السياسة الخارجية
وهذه كذلك من أشد الداعمين للعمولمة. وتشكل جماعات ضغط ومستودعات فكرية لرسم سياسات أمريكا الخارجية لضمان بقاء العولمة وانسياب البضائع ورأس المال دون قيود بما يتناسب مع مصالح الشركات الأمريكية العابرة للقارات.

لماذا يصعب عزل ترمب؟

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا فاز ترمب ابتداءاً طالما أن خصومه من نخبة الشركات العالمية أقوى من مسانديه، وطالما أنهم يملكون الغالبية العظمى من شبكات الإعلام التي لطالما أثرت في قرار الناخب الأمريكي؟ الجواب الأمثل على هذا السؤال يكمن في فقدان القدرة على التأثير في الشارع الأمريكي بسبب شبكات التواصل الأجتماعي والإعلام البديل. ثم إن المساندين لترمب ليسوا ضعفاء، بل هم أقوياء على الأرض وفي الاقتصاد ومؤثرون في الشارع. لقد استطاعت النخبة المؤيدة لترمب ركوب موجة الشعبوية واليمين المتدين من أجل تحقيق مصالها التي يعطيها ترمب الأولوية. وتعمل إدارة ترمب مع وسائل النخب المساندة له على الترويج لكل ما ينجزه ترمب أو يؤذي به خصومه على أنه خطوة في اتجاه تحقيق ما وعد به الناخب الأمريكي الأبيض، المتدين، المحافظ. وهنا يكمن مربط الفرس في عزل ترمب: تخلي الناخب الأمريكي عنه، وهو أمر لم يتحقق حتى الآن وفق أحدث استطلاعات الرأي.

لذلك يسعى الديموقراطيون إلى إطالة أمد محاكمة ترمب لتحطيمه بفضائح يومية أو أسبوعية تسهم في إسقاطه في عين الناخب. ولكن هل سيكسب الديموقراطيون ذوي الميول النيوليبرالية الأمريكية العالمية الرهان؟ أظن أن كبريات الشركات الصناعية المحلية ومراكز رسم السياسات وجماعات الضغط الأمريكية والكنيسة الإيفانجليكية لن تتخلى عن ترمب بسهولة وستعمل على إبقائه رمزاً في عيون أغلبية الأمريكيين الذين صوتوا له حتى لا يصوت مجلس الشيوخ بعزله.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة