شعار قسم مدونات

عن الرواية التي لا تزال أحداثها جارية (4)

blogs تفكير

يحدث أن تباغتنا ذاكرتنا المليئة بما يكفيها، بذكريات نُعيد معها تَشكيل ذواتنا عن طريق التجارب التي ما ننفك نَنضج معها شيئا فشيئا، نضيفها إلى سيرتنا المحفوفة بكل شيء. يبدو أن ذكريات أنير لا تستحق أن تعاد، ولهذا يتجنب دوما الخوض فيها، مخلفا إياها وراءه، فقد اقتنع بما يكفي أن الماضي انقضى، ولا ينبغي أن يشغلنا عن الانشغال بحاضرنا، والتفكير في صناعة مستقبل نستدرك من خلاله تلك الحياة التي ضاعت منا، ولعل النبش في الذاكرة يضاعف من حنيننا إلى ما جرّدنا منه الزمن، ولهذا يتفادى أنير الخوض في مغامراته العاطفية، لكن تتريت تظل ملحة على معرفة تفاصيل قد لا تعجبها، وقد تصيب مزاجها بما لا تشتهي، فلم يجد أنير بدّا من استرجاع تفاصيل مراهقته الأولى، لما تعرف على أول رفيقة في حياته.

 

كنت منشغلا بذاتي أكثر من انشغالي بما يلزمني تحقيقه، فرغبت كما يرغب المراهقون أمثالي في تجربة عاطفية أتذوق من خلالها ما تتطلبه احتياجاتي العاطفية، لكن تجاربنا الغرامية الأولى لا تكون على الشكل الذي نشتهي، لأننا ندخلها بكاملنا ونتورط فيها بكل مشاعرنا، نحسب ذلك مغامرة سهلة ولا ندرك أننا لا نقدر على تحمل مسؤوليات الغرام المعقدة، ورغم ذلك نتورط في ما لا يتناسب مع قدراتنا وإمكاناتنا العاطفية، لقد كنت شابا متورطا في الحياة، حتى الدراسة لم تكن ضمن اهتماماتي، لولا إلحاح والدي على ذلك، ولعلني كنت سأنسحب من مساري الدراسي، لولا تدخل والدي السلطوي، سأظل ممتنا له في جميع الأحوال، لأن مجرد التفكير في ذلك القرار المريض، يُشعرني بالندم، فحالت الظروف دون أن يتمكن هذا الضياع مني، وفي نفس الوقت، كانت تلك هي النقطة التي فاضت كأس اهتمامي بالدراسة، وأغرقتني في الدراسة.

 

تزوجت خديجة، وبعد مدة صارت أما، ولست إن كانت سعيدة في زواجها كما تستحق، كانت هذه أخر معلومات أعرفها عنها من صديقتها حسناء، والتي بدورها حشرت نفسها في علاقة غير واضحة مع إسماعيل

آنذاك لم يكن اهتمامي بالكتب وبالمطالعة يستحق أن أقارنه بما أنا عليه الآن، حتى الذهاب إلى المعرض الدولي للنشر والكتاب، لم يكن بهدف اقتناء الكتب، بقدر ما كان بهدف التسكع، وقضاء الوقت والاستمتاع به رفقة الأصدقاء، كان إسماعيل واحدا من الرفقاء الذين وهبتهم لي الطبيعة، ربما فرقتنا الظروف الآن، لكن ذكرياتنا لا تزال تحوم حولنا في كل مرة نعيد في أسطوانة تاريخنا إلى أيام مراهقتنا البئيسة آنذاك، والرائعة بتذكرها. تكون الذكريات جميلة بتذكرها، وقد لا تكون كذلك عندما نعيشها. ابتدأت صداقتي مع إسماعيل بشغف طفولي لم يكون ناضجا بما يكفي، ولعل رفقتنا المتواصلة والمستمرة من أيام الإعدادية التي درسنا فيها سويا إلى حدود الباكالوريا، جعل صداقتنا تتوطد أكثر مما نحسب، واستمرار صداقتنا لأكثر من عشر سنوات جعلنا نؤمن بها، وجعلنا نتجاوز حدود التواصل المُبتدع، والذي صارت تفرضه العلاقات الإنسانية الفاشلة، ولأن صداقتنا ليست فاشلة، فانعدام التواصل فيها لم يكن ليؤثر على صداقة دامت أكثر من عشر سنوات.

 

كان إسماعيل واحد من الرفقاء الذين يعرفون أسراري المتنوعة، وكان واحدا ممن أشاركهم خرجاتي، والحق أنه كان رفيقا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فكان شاهدا على أول مغامرة عاطفية تشهدها حياتي المجهولة، وكانت صديقته حسناء سببا في هذه المغامرة، ذلك أن صديقة صديقته أو بالأحرى ابنة خالها، كانت هي منطلقي نحو عالم الغرام، كنا نحن الأربعة نتسكع في معرض لا يليق إلا بالكتب والقراء والكُتاب، ولم نكن نحن كذلك، بل كنا نجهل أنه ينبغي أن ننتمي للعالم الذين ذهبنا إليه، ومؤخرا أدركت أنني تأخرت كثير في ولوجي إلى العالم الذي انطلقت منه تجاربي الغرامية. لم أكن مغرما بالكتب كما صرت الآن، لكن تواجدي في بيئة مليئة بالكتب ورطني فيها دون أن أدري، بالقدر الذي تورطت فيه بخديجة، والتي عَنونت تاريخ الغرام في حياتي، ولقد فشلت فيه بعد أن كنت أجهل كيف أقوده نحو النجاح، لكن عمري ومراهقتي لم يكونان مهيأن لإنجاح تجربتي الأولى تلك، لكن صورة خديجة بقيت في ذاكرتي، وبقيت معها ذكرياتنا المتواضعة، والتي لم تكن تتجاوز كل الحدود.

 

كانت علاقتنا محدودة بالقدر الكافي، فعلاقتنا الطائشة لم تكن لتسمح إلا بعناق في اللحظات التي لا نجد فيها بُدا من ارتكاب معصية المجتمع، وقبلات لم نكن نتقنها كما ينبغي، وجلسات في الحديقة، لا تسمح إلا بحديث ممل ونظرات يملأها عشق أنهت الظروف تاريخ صلاحيته، وكان إسماعيل وصديقته حسناء يرافقاننا أحيانا إلى الحديقة، لنصطنع عشقا مختلفا، لكننا نتورط في النموذج الذي تفرضه علاقات من هذا النوع وسط المجتمع، ورغم أن الملل يتربص بنا على نحو كبير، إلا أننا لم نكن ننشغل به بوعي، كنا منشغلين باقتناص قبلة أو عناق دون أن يرانا الآخرون، وقلما ننجح في ذلك، واستمرت علاقتنا على هذا النحو الممل، وانحصرت لقاءاتنا في نفس الحديقة، والتي ستشهد على تجارب غرامية أخرى لاحقا، استمرت تلك العلاقة لأقل من ثلاثة أشهر، ولم تنتهي، بل أنهتها الظروف، وهي الظروف التي جعلت خديجة تتزوج حتى قبل أن تلحق بربيعها الثامن عشر، وهذا حال العديد من الفتيات في مجتمعي المريض، حيث تؤخذ الفتيات غصبا إلى أزواجهن، وأحيانا يمانعن في ذلك، لكن أن تقبل بما لا تريد أفضل من أن ترفض، حتى لا تكون عاقبتك أسوأ مما يمكن أن ينتظرك لو قبلت الزواج من شخص حتى لو كان في مثل عمر أبيك.

 

تزوجت خديجة، وبعد مدة صارت أما، ولست إن كانت سعيدة في زواجها كما تستحق، كانت هذه أخر معلومات أعرفها عنها من صديقتها حسناء، والتي بدورها حشرت نفسها في علاقة غير واضحة مع إسماعيل، لم يجد بدوره غير الوفاء لها، لكن هذا الوفاء سينتهي كما كتب للوفاء أن يكون، في العادة نكون أوفياء في بداياتنا، تلك البدايات التي ندخلها بخشوع، قبل أن ندرك بشكل مثير للأسف مدى سذاجة اختيارنا، ومدى فشلنا في تجربة الغرام، لم يكن ملائما أن ننافق ذواتنا في كل مرة ينتابنا فيها انجذاب مجهول المصدر، لابد من التريث قبل أن نتأكد مما نحن فيه، حتى لا نسقط في روتين تجارب تقتل فينا حقيقتنا، ونستهلك بموجبها مشاعرنا التي يجدر بنا أن نحتفظ بها للشخص الذي يمكن أن نشعر معه بالاكتمال.

 

أحيانا لا يكفي الوفاء، لكي نتمكن من الانتصار في معركة الغرام، تتدخل الظروف أحيانا، وأحيانا يتدخل المجتمع لكي يمنع هذا الانتصار، خلال أول تجاربنا الغرامية نمارس لعبة الحب بكل خشوع، ولا ندرك بأن نسبة خسارتنا أكثر بكثير من نسبة الفوز، وبمجرد ما نخسرها، نتأكد أن كل التجارب قد تسير في نفس الدرب، وأننا خاسرون لا محالة كلما تدخلت قرارتنا في اختياراتنا الغرامية. عندما نقرر الدخول في تجربة حب بموجب اتفاق لا يليق بالحب، فإننا نحكم على حبنا بالفشل، الحب ليس اتفاقات مبرمة أو عقود موقعة، الحب الحقيقي هو الذي نجده في اللحظة التي نبحث فيها عن شيء آخر، وناذرا ما نجده، والحب الحقيقي هو الذي نصل إليه فجأة دون أن نستعد له، فقد يأتي نتيجة صداقة عميقة، وأحيانا قد يأتي نتيجة لقاءات متكررة بشخص ما، تلك اللقاءات التي تحدث بالصدفة، وبقدر ما نحصل على الحب بالصدفة، بقدر ما يتمكن منا بعمق، وهذا لا يعني نجاحنا فيه، فالنجاح في معركة الحب يكون رهينا بما نفعله من أجل هذا الحب.

 

لقد حاولت أن أكون وفيا لخديجة، بنفس القدر الذي ورطتني تجربتي معها في عالم لا يليق إلا بالإخلاص، لكننا نحن البشر لا نقدر على تحمل تبعات الوفاء والإخلاص والثقة، فهذه الأمور تُبنى بقوة المواقف، وليس يسيرا أن نمارسها خلال أول تجاربنا الغرامية، لقد افتتحتُ بخديجة عالم النساء، ولعلها افتتحت بي قلبها؛ قد تحب الأنثى بسهولة، لكنها قد تنسى بسهولة، على عكس الرجل الذي قد يحب بصعوبة، وقد ينسى بصعوبة، هي أمور لا ينبغي تعميمها في النهاية، ثم إن مسارنا في عالم الغرام، لسنا نحن من يحدده، الغرام عندما يكون حقيقيا هو الذي يقودنا حيث يريد، أما عندما تتدخل فيه قراراتنا العشوائية، فناذرا ما ننجح فيه، ولعلني قررت باتفاق مع خديجة أن ندخل تجربتنا الأولى، على أساس أن هذا الاتفاق قد يكون سبيلنا نحو الخلاص، لكننا كنا نجهل بكل سذاجة أننا آنذاك حكمنا على غرامنا بالنهاية، رغم كل ما شعرنا به خلال تجربتنا تلك، وكل ما شعرنا به لم يكن سوى اندفاعات ومشاعر محمومة بالرغبة، لا ندري كيف نعيشها على النحو الذي يليق بالحب.