"سفينة غزة" التي تأبى الغرق

كان عمري 8 سنوات فقط، عندما أنشئ مبنى المخابرات الفلسطينية الأشهر في قطاع غزة، على بعد 200 متر من بيتنا القريب من شاطئ البحر، كنت حينها أدرس الابتدائية في منطقة الشيخ رضوان شمال المدينة، حتى افتتحت مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، مدرسة تدعى "ذات الصواري" بجانب المبنى المبهر المطل على البحر، وقد قرأت بعدها عن أصل الاسم، وتمنيت أن يتكرر الفتح الإسلامي البحري الأول، ولكن هذه المرة ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي يتمركز بزوارقه في عرض البحر.

 

انتقلت إلى المدرسة الجديدة بحكم التقسيمات الجديدة للمناطق التعليمية، وقد أسعدني في ذلك، رؤية مبنى المخابرات الذي يشبه شكله الخارجي "السفينة"، أثناء رحلة الذهاب والإياب مشياً على الأقدام، كانت المنطقة خالية برمتها، إلا من بيوت قديمة تعد على الأصابع، يستأنس أهلها بقربهم من البحر ويقضون وقتهم في أراضيها الشاسعة المزروع أغلبها بالبرتقال، ويميزها وجود ذلك المبنى العريق، في خضم الانتفاضة، اجتاح البنيان المنطقة، خاصة بعد إنشاء مدينة سكنية ضخمة تدعى "أبراج الكرامة"، والتي شجعت أهالي غزة على شراء الأراضي والبناء عليها، وميز تلك الفترة، الرسوم والشعارات الثورية التي كانت تُخط على الجدران، وقد كان مقر "السفينة" شديد الحراسة، المبنى الأبيض الوحيد في تلك المنطقة، إذ لم يتعرض لأي خدش أو مداهمة إسرائيلية.

 

دخلت إلى المبنى، وقد أصبح فارغا من الداخل، جميع ما يحوي من مقتنيات قد جرى تدميرها أو إتلافها، لكن جدرانه ظلت صامدة حتى اليوم

ويعود السبب في ذلك إلى أن من بناه هي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA التي كانت تعطي ضباطا في السلطة الفلسطينية دورات وندوات فيه، وفق شهادات قديمة، من هؤلاء الضباط، أحد أقاربي الذي علمت أنه يعمل فيه، فقد شاهدته صدفة أثناء ذهابي إلى المدرسة في أحد الأيام، يحمل سلاح "بمبكشن" المحبب لدي، ويقف خارج المبنى مع بعض رفقائه في جهاز المخابرات التابع للسلطة، كنت أحب ذلك المبنى الذي لطالما تأملته من الخارج، وكان لدي فضول لرؤية ما بداخله، حتى طلبت حينها من قريبي المذكور (ملازم أول) أن يدخلني إليه، فوعدني بذلك لاحقا، لانتظارهم وقتها "شخصية مهمة".

 

حدث ذلك أخيراً، ولكن في خضم أحداث الانقسام الفلسطيني عام 2007، لم أكن الداخل الوحيد، فقد اجتاح مقاتلون من كتائب القسام وآلاف الفلسطينيين المبنى، وقد أدركت بعدها أن ذلك الفضول لم يصبني وحدي، وأن لغز "السفينة" قد انكشف، ربما كنت آخر الداخلين إليه، فقد وقفت خارج المبنى أشاهد بصمت ودهشة أولئك المقاتلين وهم يخرجون من داخله أنواعا غريبة ومتقدمة من الأسلحة، رأيتها للمرة الأولى في حياتي، وأوراق كان يُقال إنها تحوي "تاريخ المخابرات الأسود". لم أعر وقتها أي اهتمام لحديث المؤامرات والانتصارات أو ما أطلق عليه "الحسم العسكري"، فقد كان كل ما يهمني، الحفاظ على ذلك المبنى الذي كان يثأر الناس منه بحرقه وتدمير كل ما فيه.

  

دخلت إلى المبنى، وقد أصبح فارغا من الداخل، جميع ما يحوي من مقتنيات قد جرى تدميرها أو إتلافها، لكن جدرانه ظلت صامدة حتى اليوم، تماما كما بقي قريبي الذي وعدني بإدخالي إليه يوماً، حياً بعد أن تلقى أكثر من 10 رصاصات في جسده بسبب استمرار نشاطه في حركة فتح التي ينتمي إليها، و"التحريض ضد حماس"، تعرض المبنى الذي ما زال ينتصب واقفًا منخورًا من جميع جهاته للقصف بعشرات الصواريخ الإسرائيلية في الحربين اللتين عايشتهما في غزة عامي 2008 و2012، وعاشت غزة عدواناً ثالثا في 2014 استمر 51 يوماً، تعرض فيه مبنى السفينة لقصف شرس لم ينل من حجارته المهملة التي أصابت شظاياها الكثير من بيوت المنطقة، حتى وصل الأمر إلى أن طلب سكان تلك البيوت من حماس هدمه.

 

لكن، لمتانته الفريدة التي تأبى الانهيار، أقامت حركة حماس موقعا عسكريا فوق بعض أنقاضه، وقد أصبح يقصف مع كل موجة تصعيد، كان آخرها مساء يوم 16 يناير/كانون الثاني 2020، رغم كل الأحداث السيئة التي بقيت عالقة في ذهني عن مقر المخابرات بعد سفري إلى الخارج، فإن صمود هذا المبنى بتاريخه الدموي وجدرانه المهشمة، يثبت أن سفينة غزة تأبى الغرق، كما قاومت سفينة نوح الطوفان.



حول هذه القصة

ركوب الغزاويين لقوارب الموت، وتحول أسمى أمانيهم لفتح معبر يفضي لمغادرة هذا القطاع المنكوب، وبحث الشباب والشابات في غزة عن أي فرصة للهروب من هذا الجحيم.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة