لماذا أخفقت الصواريخ الإيرانية في إصابة أهدافها؟

في أعقاب الهجمة الصاروخية التي نفذها الحرس الثوري الإيراني على قاعدة عين الأسد في العراق وقواعد أخرى في أربيل، أفادت شبكة خبر الإيرانية، بأن الصواريخ الإيرانية المستخدمة في هذا الهجمة كانت صواريخ من نوع قيام وذو الفقار، التي استخدمت مسبقاً في ضرب مواقع داعش في شهر يونيو ٢٠١٧. في ذات الوقت لم يوضح الحرس الثوري في بيانه، الذي أعلن فيه عن إطلاق عشرات صواريخ نوع أرض أرض، ما هي أسماء أو أنواع الصواريخ المستخدمة في هذه الهجمة.

وفقاً لموقع تهديد الصواريخ التابع لمركز الدراسات الدولية الاستراتيجية، يتراوح مدى الصواريخ الإيرانية ما بين ٣٠٠ و٢٥٠٠ كيلو متر، بدءً من صواريخ شهاب ١، وانتهاءً بصواريخ سومار. أي أن الصواريخ الإيرانية قادرة على إصابة نقاط في شرق وجنوب أوروبا، وتغطي حوالي ٧٠ بالمائة من قارة آسيا. لكن نظراً للمسافة الفاصلة ما بين مكان إطلاق الصواريخ في محافظة كرمنشاه الإيرانية وقاعدة الأسد التي تبلغ حوالي ٣٢٢ كيلو متر، من المتوقع أن الحرس الثوري استخدم صواريخ من عائلة فاتح ١١٠. صاروخ فاتح ٣١٣ هو أحد الصواريخ المحدثة في عائلة فاتح ١١٠، ذو مدى يصل لـ ٥٠٠ كيلو متر، ويستخدم الوقود الصلب، ويتمتع برأس حربي قابل للتوجيه من بداية انطلاق الصاروخ وحتى نهاية مسيره.

لكن السؤال المطروح هنا، لماذا أخفقت الصواريخ الإيرانية في إصابة أهدافها، على الرغم أن قائمة احتمالات الصواريخ المستخدمة في هذه الهجمة (قيام، ذو الفقار، فاتح)، جميعها صواريخ ذات دقة جيدة تعمل بالوقود الصلب، ولا يمكن أن تصل لنسبة خطأ كبيرة جداً، كما حدث بسقوط أحد الصواريخ الإيرانية في قرية حيطة البعيدة عن قاعدة عين الأسد حوالي ٣٠ كيلو متر تقريباً ؟!

قراءة في صواريخ الوقود الصلب الإيرانية:
على الرغم من أن الصواريخ الإيرانية المستخدمة في الهجمة هي صواريخ متوسطة المدى تعمل بالوقود الصلب، وتتمتع بإصابات دقيقة، إلا الواقع يشير إلى أن إيران لم تهدف إلى إيقاع خسائر بشرية

من وجهة نظر عسكرية، تعتبر الصواريخ الباليستية ذات الدقة السيئة ورقة خاسرة في حروب ضرب المنشآت الحيوية، كالمطارات والقواعد العسكرية وغيرها، وهي تتلاءم مع الحروب الكلاسيكية القديمة، التي تتخذ من سياسية الأرض المحروقة، والتدمير العشوائي وسيلة لنشر الرعب الشعبي واسع النطاق في وجه أي دولة تواجهها. لذلك ركزت إيران جهودها بدايةً للحصول على الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، وبعدها اتجهت نحو تطوير تقنيات وقود الصواريخ، والحصول على التقنيات اللازمة الكفيلة بزيادة دقة إصابة الصواريخ.

في عام ١٩٩٨ استطاعت إيران إنتاج الجيل الأول من صواريخ شهاب ٣، الذي يعتبر أول صاروخ إيراني متوسط المدى يعمل على الوقود الصلب، ويصل لمسافة 1300 كيلو متر. ورغم التقدم الكبير الذي حققه البرنامج الصاروخي الإيراني في مجال زيادة مدى صواريخ شهاب، لكنه بقي متأخر تقنياً وبشكل مزعج جداً للإيرانيين على مستوى الدقة. حجازي نائب رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، أكد في مايو ٢٠١٤، أن خامنئي شدد في عام ١٩٨٨ على قائد القوات الجيوفضائية في الحرس الثوري بالسعي للحصول على "صواريخ ذات إصابة دقيقة"، وبالفعل زكر الفريق الصاروخي الإيراني التابع للحرس الثوري -وفقاً لأوامر خامنئي- على "صناعة وتطوير الصواريخ الباليستية ذات الدقة العالية". ومن أجل التغلب على هذه العقبة، التي أزعجت خامنئي شخصياً، قامت إيران بإصدار نموذج مطور عن صواريخ شهاب ٣ عرف باسم "قدر ١".

صاروخ قدر ١ زود بجيل جديد من الرؤوس الحربية المعروفة باسم "عماد"، وهي رؤوس تمنح الصاروخ مزيدا من الاستقرار وقدرة أكبر على المناورة بهدف زيادة دقة الصاروخ، لكن العيب الذي ظهر في هذه الصواريخ أنها كانت تتمتع بمدى أقل نسبياً من صواريخ شهاب ٣ ذات الدقة السيئة. إن العيوب التي ظهرت في صاروخ قدر ١ لا يمكن تجاوزها إلا بتطوير تقنيات وقود الصواريخ، وتزويد الصواريخ بالوقود الصلب، الذي يعتبر أكثر جدوى من الناحية العسكرية لسبيين:
الأول: الوقود الصلب يمنح الصواريخ تفوق نوعي من حيث المدى ودقة الإصابة.
الثاني: تمتاز صواريخ الوقود الصلب عن صواريخ الوقود السائل بأنه يمكن تعبئتها بالوقود، وتخزينها لمدة طويلة، خلافا للأخيرة التي تتطلب تزويدها بالوقود قبل بدء عملية الاطلاق.

استغرقت عملية تطوير الوقود الصلب حوالي ٤ سنوات متتالية، حتى شهدنا في عام ٢٠٠٢ إطلاق إيران لصاروخ جديد أطلقت عليه اسم "فاتح ١١٠"، وهو صاروخ ذو مرحلة واحدة يعمل على الوقود الصلب بمدى يصل ل ٢٠٠ كيلو متر. فيما بعد، طورت إيران نسخة بحرية من صواريخ فاتح، التي يعتقد الأمريكيون أنها قادرة على إصابة السفن البحرية والتجارية في الخليج العربي ومضيق هرمز.

لماذا أخفقت الصواريخ في إصابة أهدافها؟

إن نفي وقوع خسائر بشرية في الهجوم الإيراني لم يكن حكراً على أمريكا، فالدانمارك والنروج واستراليا نوزيلندا وكندا أعلنوا جميعاً أن أياً من جنودها في القاعدتين لم يصب بأي أذى. وعلى الرغم من أن الصواريخ الإيرانية المستخدمة في الهجمة هي صواريخ متوسطة المدى تعمل بالوقود الصلب، وتتمتع بإصابات دقيقة، إلا الواقع يشير إلى أن إيران لم تهدف إلى إيقاع خسائر بشرية في الهجمات التي نفذتها على تلك القاعدتين. وأكبر دليل على ذلك أن إيران قصفت صواريخها خلال فترة نوم الملاجئ المؤمنة، إضافة إلى علمها المسبق بأن نظام الدفاع الجوي الأمريكي في حالة تأهب قصوى.

طبيعة الرد الإيراني المحدود والخجول، والذي وصفه الإيرانيون "بالانتقامي"، تفتح الأبواب على مجموعة من التوقعات والاحتمالات، أحدها قد يكون خوف النظام الإيراني من ردة الفعل الأمريكية الغاضبة في حال وقوع خسائر بشرية في صفوف القوات الأمريكية، مما يدل على عدم ثقة النظام الإيراني بقدرات الحرس الثوري وبرنامجه الصاروخي. والآخر هو أن الرد المحدود والخجول للنظام الإيراني على مقتل قاسم سليماني، رغم قدرته على توجيه ضربات أقوى كما رأينا في صورايخ الوقود الصلب، قد يفضي لحلحلة التوتر الكبير القائم بين إيران والولايات المتحدة. وما يؤكد ذلك، أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين وأولهم جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، تهافتت فور انتهاء الهجوم الإيراني بأن الانتقام حدث ولا نريد التصعيد.

خلاصة القول:

رغم موجات السخرية الكبيرة التي جابت أرجاء مواقع التواصل الاجتماعي على الانتقام الإيراني، إلا أن ذلك لا يمنع من رؤية أن البرنامج الصاروخي الإيراني هو الرادع الأكثر فعالية لهذا البلد أمام قوى إقليمية أكبر تسليحاً وأفضل تجهيزاً. فتنفيذ هجمات جوية ضد إيران ليس أمراً صعباً، بسبب عدم امتلاك إيران للقوة الجوية الحديثة، ناهيك عن أن إيران لا تستطيع تحديث معداتها العسكرية، فأغلب ما يملكه الجيش الإيراني هو صناعة محلية ليست ذات جودة وفعالية عالية، ولا يمكن مقارنته أبدا بالجيوش المتقدمة في المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. لذلك يبقى التحسين الكمي والنوعي للبرنامج الصاروخي الإيراني، بما في ذلك زيادة مدى الصواريخ ودقة إصابتها، هو رسالة تريد إيران إيصالها للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، أنه "لا تفكروا بالهجوم علينا لأنه يمكننا أن نؤذيكم".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة