شعار قسم مدونات

كلّنا تحت القصف!

blogs حرب

في جدول الحرب؛ طرح وقسمة وضرب. أنت تطرح من مجموع أسرتك، وتضرب بالصواريخ في بلدتك، وتقسمّ إلى أشلاء، ثم تذوب شهيدا.. وتقسّم على الأرجاء، حين تنفى بعيدا. وتغذّى بالعذاب لو نجوت، ومهما صرخت فلن يُسمع لك في الدويّ صوت. الطرح في الحرب يدعى الموت، والضرب فيها يسمى قصفا والقسمة فيها تلقّب باللجوء، والحياة بعدها تغدو أرقاما وتمسي كلّها أسقاما. ستتعقبّك ظلال الأمس الماكرة، والتوقيت حينها سيحبو بأمر الذاكرة، سيحرّك عجلاته إلى الخلف، ستستعيدك وتبقيك مأكولا كعصف، وفي عزّ الصحو ستظل تحت القصف. الذاكرة لا ترحم أحدا، وطيف الوطن لا ينسى ولدا!

جلست مع نفسي في غيابة الحرب، وبحذر تلمّست أسنان الزمام المنزلق الذي أقفلت به صدري، سحبته للأسفل في محاولة مني لتهويته. عبثا أحاول سحب قلبي من صدري لأستريح، كما يستريح العنق من ربطة، أحاول تقشير الماضي الذي علق فيه. عبثا أحاول استئصال لبّه وتمزيق جناحيه؛ حتى لا تطير بي من جديد إليه، أعود إلى رشدي وقد أهلكني الجنون، أتساءل من أين له بلبّ يقوده وقد استنزِف وقوده! ومن أين له بجناح يحلّق به من اليمين إلى اليسار، ولم تعد السماء تصلح إلّا لطيران الحديد والنار.

كلّنا تحت القصف، كالجسد إذا ما أصيب فيه عضو، كالغابة إذا ما أحرقت فيها شجرة، كقطع لعبة البولينغ العشرة، إذا ما صوّبت نحوها كرة. كلنا تحت القصف، كلنا تعني أنا وأنت وكل من يشبهنا

جلست أواسي نفسي في بضع كلمات، تلك التي لم تجد حلّا لما يحدث في داخلي من أزمات، جلست وأنا بحاجة لثقب دودي ينقلني من هذا الزمن الرهيب لآخر أقلّ شراسة، أردت كتابة سطور وديعة، تأخذ بيد قلبي فتنسيه الفجيعة، تشاركني الـ آه والـ أي، تمحو من ذاكرتي كلّ حدث حيّ. أردت إفراغ سطور ليس فيها ثورة، أسترها بالتشطيب كلما تعرّت فيها عورة، ألفّق على ضريحها أطراف قميص الورق حتى لا تنتهك لها حرمة، ودون أن يسمع بها أحد أسدّدها لمرمى. أردت تفريغ أحشاء الذاكرة فوق النار، أردت أن أسند على الحروف كتفي المنهار. أردت كتابة سطور ليس فيها أيّ ذنب، سطور لا تترك على خدّ الورق أيّ ندب.

آه يا أنا.. من أين لنا بجهاز تحكم يحرّك صور الحياة لنا، ليس بيني وبين الأمس غير عيون مشلولة، من الضغط لم تشفَ، تعطلت ونحن في طريقنا للمنفى، فتوقفت عند الصورة الأخيرة؛ بينما أبت الأقدام إلّا أن تكمل المسير. لا شيء تغير في تلك الشاشة، الصور التي كان يجب أن تتوقف بشكل مؤقت، تتوقف هنا في ذاكرتي بشكل دائم، تتعمد الدوس على حاضري النائم. في جدول الحرب، يضرب بيت فتسقط مئات البيوت، يكسر قلب فتهتزّ آلاف القلوب، في جدول الحرب، يكفي أن يضرب قلب في الزاوية، ليشحن الحزن شظاياه في حاوية، ينقلها من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان ويوزعها في إنسان، الإنسان فينا يتلقاه بعيون عارية، إلّا الوحوش الضارية، فهي التي تمارس القصف وبدويّه تحتفي، ترقص حينا وحينا تصفّق، لا تتخفّى ولا تختفي.

كلّنا تحت القصف، كالجسد إذا ما أصيب فيه عضو، كالغابة إذا ما أحرقت فيها شجرة، كقطع لعبة البولينغ العشرة، إذا ما صوّبت نحوها كرة. كلنا تحت القصف، كلنا تعني أنا وأنت وكل من يشبهنا. كلنا تحت القصف، تنثرنا ريح شديدة العصف! يقصف بيت في غزة؛ يهتزّ له القلب هنا هزّا، يقصف بيت في سوريا؛ فنبكيه سويّا، يرسل صاروخ إلى اليمن فيسقط كتفنا الأيمن، يئن جريح في العراق، يتأوّه له القلب هنا، يذبّح جسم بأركان يتطاير دمه إلى هذا المكان، يعذّب آخر من الأويغور يشتعل بركان الصدر ويثور، تقيّد معاصم الأبرياء في مصر، تقتّل الأرواح في ليبيا، تباد في السودان، يعلو أنينها في لبنان، يفرّغ الرصاص في ظهور وصدور المصلين في نيوزيلندا، يجوع بطن في الصومال، يحارب الحقّ في السعودية، نتجرّع الهمّ والحزن والأسف والذلّ سويّا. كلنّا تحت القصف، يطالنا كالحمم البركانية، كالزلازل التكتونية، كالثقب الأسود هذا القصف لا أحد يفلت منه.. إنّه يمتصنا معا وكالتيّار يجرفنا سويّا!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.