شعار قسم مدونات

وأفلتت منا ورقة الحرب العالمية الثالثة!

blogs حاملة طائرات

إزاء ما تتعرض له الأمة من ثالوث الهيمنة والهجمة الشرسة والروح الاستعمارية بات المواطن العربي يعيش بعقلية حالمة انتظارية، وهذا يجعله بأمس الحاجة لنشوب الحرب العالمية الثالثة، وليس هذه المقولة من باب المزاح والدعابة، فالحرب المنشودة ما هي إلا آخر الأوراق الرابحة التي يمتلكها في جعبته، في إطار سعيه للانتقال صوب حياة أفضل، أو ما من شأنه التلاعب، أو على الأقل تعديل مجريات الخارطة اليومية التي تفرض نفسها عليه ضمن مسارات محددة مسبقا، في أمة تعاني من المحيط إلى الخليج.

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فسياسات حفظ ماء الوجه التي وضعت حدا للمناوشات الأمريكية الإيرانية يبدو أنها ستضيف طامة أخرى فوق رأس المواطن العربي. فعند اكتمال الصورة اتضح من توصيف الضربة الإيرانية كما لو جاءت من بوابة رد الاعتبار الشكلي، بحيث تشم في ثناياها رائحة فيلم هندي مفعم بالإثارة والآكشن، مما يأخذ الجميع بعيدا عن التهويمات والآمال العريضة التي كانت تصدع رؤوسنا ببداية زوال الهيمنة الأمريكية في غرب آسيا. كل ذي بصيرة يصل لقناعات مفادها أن المقايضة التي جرت ما هي صفقة لا يهم إن كانت سرية أم علنية، بل المغزى مقدار ما جاءت به من نتائج ستصب في النهاية لصالح استمرارية النفوذ الإيراني، وهو ما لا يضيرنا، طالما بقي بعيدا عن الساحات العربية، أما أن تمارس دور الوكيل الجديد للمنطقة، وراعي الحمى الذي يتم السماح له بالاستمرار في نهجه، ولكن مع بعض التحفظات.

ظهر في كلمة ترامب التغزل بإيران من باب إنها قد تكون بلدا عظيما، وأن لديهما مصلحة مشتركة تتمثل في مواجهة تنظيم الدولة، وإن الولايات المتحدة جاهزة للسلام مع من يريده

لقد أثبتت الأزمة مقدار الاحترام الأمريكي لإيران والتسامح معها على مدى وقت طويل للغاية، وفي المقابل احتقار العرب ومطالبتهم بالضخ المالي، وهذا دليل على أن هذه المناوشات ما هي إلا مباراة استعراضية مقامة على أرض عربية، لضمان استمرار حلب مقدرات الأمة وأموالها في مسرحيات ستدوم طويلا إلى مدى لا يعلمه إلا الله. مما لا شك فيه أن زوال قاسم سليماني عن المشهد السياسي، إنما لكونه كان على الدوام بمثابة الصندوق الأسود للقيادة الإيرانية، وإسدال الستارة عليه وعلى فيلق القدس الآن جاء ككبش فداء، يضاف لذلك إنهاء عصر النداءات الجماهيرية المعتادة الممثلة بمقولة الموت لأمريكيا الموت للصهاينة، وهي إجراءات جاءت في موعدها المحدد لها من قبل في إطار المقايضات السياسية التي تلقي بظلالها في هذا الجزء من العالم.

أما الانتفاع الذي لا شك فيه، فهو ما يتيحه من تفعيل دور الوكيل الجديد للمنطقة بفضل هذه المناوشات التي تضمن تدفق المال والسلاح، كما تشكل ضمانة للخلاص من حالة الاشتباك مع الولايات المتحدة، وتقليم أظافر المعارضة ومدبري الاعتصامات في الداخل، وهذه بطبيعة الحال بداية لانتعاش اقتصادي، مما يتكفل بالتفرغ للاتفاق النووي، ودفع الضريبة من قبل دول الخليج. التصريحات الأمريكية من قبل ترامب تصب في صالح ايران بعد أن تبنى الدعوة الصريحة التي تتمثل في صفقة جديدة حول البرنامج النووي، وما يتكفل به هذا الاتفاق لإيران من توفير سبل  النجاح والازدهار، وإتاحة الاستفادة من قدراتها الضخمة وغير المستخدمة.

وظهر في كلمة ترامب التغزل بإيران من باب إنها قد تكون بلدا عظيما، وأن لديهما مصلحة مشتركة تتمثل في مواجهة تنظيم الدولة، وإن الولايات المتحدة جاهزة للسلام مع من يريده. صحيح أن ترامب توعد بفرض حزمة عقوبات اقتصادية جديدة فورية، وأن الاتفاقية النووية التي أبرمتها إيران مع القوى العظمى ستنتهي قريباً بالتخلي عن الطموحات النووية، لكن كل تلك التصريحات لا تنطلي إلا على السذج، ومن ينخدعون بمعسول الكلام، فما ذلك سوى جزء يسير من تكتيك إدارة الصراع، وعنوان المرحلة احترام الأقوياء الذي سيغير الصورة للمنطقة ككل، وسيفتح الطريق أمام إيران للعمل على اقتناء السلاح النووي عاجلاً أم آجلا، وهو ما لا يقلقنا بقدر من نرجوه من عدم تغول الوكيل الجديد للمنطقة العربية، ومن هنا تتضح التفسيرات للخلاصة الأمريكية التي مفادها كل شيء على ما يرام!