logo

ثقب التكفير الأسود!

ربما تبدو ظاهرة النقاش الذي يندلع على صفحات مواقع التواصل حول جواز الاحتفال برأس السنة، أو جواز المباركة لأخواننا المسيحيين بعيد الميلاد أو مشاركتهم الاحتفال ربما تبدو ظاهرة عادية تنتج عن اختلاف المذاهب والأفكار والتوجهات والخلفيات الثقافية والدينية لكل منا، إلا أن ما يجدر الوقوف عنده هو ما ينجم عن هذا النقاش والجدل السنوي الذي يتكرر كل عام، إذ يبدأ التراشق بالأحكام بين المبتدع والضال والفاسق وصولاً للكافر. اختلافٌ وخلافٌ يُشعر المتابع أنه عبء على وضعنا الحضاري، بالإضافة إلى أنه يعبر عن ركيزة مهمة من ركائز العقل الجمعي كانت إحدى أسباب ما نجنيه اليوم من نتائج كارثية أطاحت بالحجر والبشر وحصدت الرؤوس والأرواح ولا تزال..

 

هذه الركيزة المتمثلة في: (التكفير)! وبعيداً عن نقاش الحكم الشرعي السابق المليء بالتفاصيل، أتوقف هنا عند ظاهرة التكفير التي لا تقتصر على الاحتفال بمناسبة ما، بل تمتد لتشمل أفعالاً وأقوالاً وسلوكيات يوصف أصحابها بالكفر لمجرد فعلهم أو قولهم لها، الأمر الذي يضعنا أمام خطورة حقيقية تتطلب منا أن نرجع للشرع نفسه لنضبطها بضوابطها، ونلتزم بموانعها، بعد أن نوضح نتائجها الكارثية علينا جميعاً، بمعنى آخر أن نعي قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن عليه الصلاة والسلام قال: (إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَد بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا) وفي رواية: (إِن كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيهِ)، فمن يطلق أحكام الكفر عليه أن يدرك بموجب الحديث السابق أن الكفر سيعود عليه إن كان الموصوف بالكفر غيرَ كافر، ولا سيما أن صفة (الإيمان) بتعريفها هي: الاعتقاد القلبي  الجازم، وهذا الاعتقاد موضعه القلب الذي لا قِبَل لأحد أن يطلع عليه إلا الله تعالى، يقول سبحانه: (مَنْ كَفَرَ باللهِ مِنْ بعدِ إيمانِه إلا مَنْ أُكره وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان ولكنْ مَنْ شرحَ بالكُفرِ صدرا فعليهم غضبٌ منَ اللهِ ولهمْ عذابٌ عظيمٌ) [النحل: 106]، فالكافر هنا هو من (شرحَ بالكُفرِ صدراً)، ومَنْ له أن يشقَّ على صدر أحد ليعرف حقيقة كفره؟!

 

الكفر والإيمان اعتقاد قلبي لا قبل لأحد أن يعرفه أو يجزم به، ولا يحق لأحد أن يطلقه على أحد، ولا يبنى عليه اي اعتبار لمكانة الإنسان في الوطن ناهيك عن أحكام تستوجب عليه..

أما ما يبدر من أفعال الناس وأقوالهم، فليس لأيٍّ كان أن يكفِّرَهم عليها لمجرد أنهم فعلوا أو قالوا، لأن الشرع نفسه وضع لهذا الأمر ضوابط تحدّه وجعل له موانع متعددة منها: جهل الفاعل بحرمة ما يفعله، أو إكراهه عليه، أو اعتماده على التأويل الذي يظنه صواباً، أو تقليده لمن يثق به. كما تتوجه الموانع الشرعية لتمنع إطلاق حكم الكفر من قِبَل أيٍّ كان دون أن يكون على علم وافٍ بالشرع وأحكامه وتفصيلاته..

 

ويجدر بنا الانتباه إلى أن حرمة الفعل شيء، وتكفير فاعله شيء آخر، إذ أن تفاصيل كثيرة وظروف كثيرة تكمن وراء فعل الإنسان وتصرفه، وليس بالضرورة أن يكون ظاهر الفعل يدل على كفر صاحبه بحال من الأحوال. على سبيل المثال: يطلق التكفيريون على الناشطين الذين يتعاملون مع الأنظمة العربية أو الغربية أو المنظمات أو المؤسسات الأجنبية حكم الكفر، في الوقت الذي وردت أحوال كثيرة تعامَلَ فيها رسولُ الله نفسُه والصحابة الكرام مع المشركين، ومع غير المسلمين من أصحاب الديانات الأخرى، وحتى عندما عاد عليه الصلاة والسلام من الطائف، وأراد دخول مكة وكان خائفاً من بطش ساداتها، دخل وقتها في جوار "المطعم بن عدي" (الكافر!) ليكون في حمايته، وغيرها من القصص التي استعان بها رسول الله والصحابة من بعده بغير المسلمين في كثير من الأمور، وهذا التعامل يختلف تماماً عن التخابر الذي يجعل المسلم عدواً خائناً عميلاً، (الحالة أذكرها كمثال فقط للتدليل على أن ظاهر الفعل لا يدل على حقيقته وما يكمن وراءه).

 

أضف إلى ذلك أننا اليوم نعيش في عالم أشبه ما يكون بالغرفة الصغيرة التي يتواصل المقيمون فيها مع بعضهم البعض بيسر وسهولة، ويشكِّل المسلمون في هذه الغرفة قلةً مستضعفة لا قوة لهم ولا دولة، على نحو يختلف تماماً عما كان عليه المسلمون في عهد رسول الله والخلفاء الراشدين فلسنا اليوم بشيء ولا عذر لنا لنتمحور حول ذواتنا ونرى العالم فقط من منظورنا نحن.

 

الخلاصة:
الكفر والإيمان اعتقاد قلبي لا قبل لأحد أن يعرفه أو يجزم به، ولا يحق لأحد أن يطلقه على أحد، ولا يبنى عليه اي اعتبار لمكانة الإنسان في الوطن ناهيك عن أحكام تستوجب عليه.. وحتى قتل الكافر علينا قبل أن نتخذ هذا الأمر عقيدة لنتبصر قول الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ" (34). فهؤلاء ظلوا كفارا حتى ماتوا ولو كان حكمهم القتل لما قال عنهم ماتوا وقال أيضا سبحانه: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا"، فالذين كفروا لو كان حكمهم القتل لما عادوا فآمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا. وقفة حري بنا أن نتبصرها في واقع نعيشه أحوج ما نكون فيه لإماطة أذى الأفهام والأفعال عن طريقنا نحو الحياة.. حياة تستحق أن تعاش.



حول هذه القصة

مواجهة نزعة التكفير تقتضي تطويراً مفاهيمياً يستوعب ماهية التكفير ويدرك منطقه ويعي طرائق اشتغاله ويشخِّص تمظهراته وتجلِّياته الملحوظة والمستترة في النطاقات والمستويات جميعاً.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة