متى تخرج الثورة من شعاراتها؟!

لا يمكن لهذه الثورة أن تنجح لمجرد شعارات، خصوصا عندما تكون هذه الشعارات ذات أُفق ضيف، بمعني انها شعارات آنية لتحقيق مصلحة وقتية لا تراعي حتى لعشرة ايام امامها، او حتى خمسة ايام. هذه الشعارات ممكن أن تحقق هدفها في ذاتها لكن ثم ماذا بعد تحقيق الهدف؟ أنا واحد من العشرات الذين يرون أن أصعب مرحلة ليست سقوط النظام، بل هي بناء النظام الجديد الذي يحقق شعاراته وأهدافه.

  

لقد بدأت الثورة بشعار "حرية سلام وعدالة" هذا الشعار يعبر عن مكنون القيم الانسانية التي توصلت لها المجتمعات بعد مدافعات لملايين السنيين، هذه القيم لا تعبر عن دين، أو عقيدة، او ايدلوجيا. بل تعبر عن قيم إنسانية وصلها الإنسان عبر التجربة والتصحيح والحروب ايضًا. الوصول لهذه المرحلة يعبر عن استقرار الجنس البشري وتسوية وضعه على اسس قيمة وراسخة لا تهتز. لكن هل هذا الشعار الذي رفعته الثورة "حرية سلام وعدالة" هل هو مجرد شعارها ام برنامجًا للثورة؟

 

لقد تراجع شعار الثورة بعد أن كان شعار قيم ومبادئ إنسانية "حرية سلام وعدالة" إلى شعار آني لا يرى أبعد من مضمونه وهو "تسقط بس" هذا الشعار وكما يقول أهل الفقه "لقد ضيق واسعًا" كان يمكن أن يحمل كل الناس بلا لونية أو حزبية لأفق جديد يحقق لهم كرامتهم التي يحملها الشعار. "تسقط بس" كان شعار تهيجي وسهل وهذا ما كانت تحتاجه الثورة والثوار إلا أنه في نفس الوقت لا يرى أكثر من بعد السقوط فتحققت النتيجة التي ارساها الشعار وهي السقوط. من ضيق هذا الهتاف كان يشير برمزه لرأس النظام، فأنه يخاطبه هو دون نظامه فكانت النتيجة لقد سقط هو كما طلب الثوار "تسقط بس" فسقط هو "بس" دون غيره وتحفظ على رأسه العسكر كما طلب الثوار.

 

كل الشعارات الآنية التي رفعتها الثورة قد تحققت لكن كانت شعارات مجردة ذاتية ليس لها افق، وهذه الشعارات اللحظية يمكن هي السبب في التراجع عن الشعار الاساسي، شعار الحرية والسلام والعدالة

فكانت تلك مرحلة ثم دخلنا لمرحلة اخرى تتطلب شعار اخر بعد أن استلذ العسكر ومجلسهم بذائقة الكرسي وهو شعار "مدنيا" فرغم سعة الشعار في مضمونه، إلا أنه اختزل في "بذلة العسكر" فقط، أي عسكري تقابلها مدني، أو بلغة العسكر "ملكي" وهو من لم يلتحق بالجندية. لقد فهم اكثرهم وأعني الذين يهتفون في الميادين هذا الشعار بهذه الكيفية، وهذا ليس ضيق افقٌ في الثوار ولكن عدم اكتراث القيادة السياسية للثورة لهذه الشعارات، أو غض الطرف عنها طال ما انها تحقق لها اهدافها وهي الوصول للسلطة فكانت الكارثة، كارثة الشعارات اللامتناهية والغامضة للعامة؛ وهم السواد الاعظم من الثوار.

 

لقد تحققت هذا الشعارات لكن ماذا كان وراء الشعار؟ لا شيء لأنها لم تتحول هذه الشعارات إلى برنامج عمل يرسم ملامح خطة لتحقق اهداف الثورة التي جسدتها في شعاراتها، وهذا يتطلب العمل الدؤوب من الفاعليين في المجتمع لتنزيل هذا الشعارات لكي يكون عملًا يعايشه الناس بإشاعة الحرية وتحقيق العدالة والسلام الشامل عبر تسوية تاريخية لا يمكن أن يستثنى فيها أحد مالم يكن مدان بجرم جنائي أو فساد مالي. اما أن تستمر هذه الثورة بمجرد شعارات فهذا قد يعجل اجلها، ليس بثورة مضادة ولكن بانقلاب عسكري يبدد كل هذه الشعارات لمجرد احلام.

 

إن كل الشعارات الآنية التي رفعتها الثورة قد تحققت لكن كانت شعارات مجردة ذاتية ليس لها افق، وهذه الشعارات اللحظية يمكن هي السبب في التراجع عن الشعار الاساسي، شعار الحرية والسلام والعدالة. كان يمكن أن يتحول هذا الشعار لبرنامج عمل، ودباجة حوار يحقق اهداف الحرية والسلام وينفذ العدالة التي لا تصاحبها قرارات إدارية. لكن أن تجُر النخب السياسية المجتمع بشعارات لا ترى ابعد من اليوم هذا غير مجدي لا للثورة ولا لهذه النخب التي تطمع في تحقيق اهدافها في الوصل للسلطة دون النظر لما قدمه المجتمع من تضحيات تحت هذه الشعارات.

  

مازالت هنالك فرصة، بل فرصة كبيرة لترجمة الشعارات لواقع بدلاً من زج المجتمع بشعار آخر كما رأينا هذه الايام من بعض النشطاء الذين وإن كان قديم إلا أنهم يريدون فرضة على أجندة اليوم وهو شعار "العلمانية"، هذا الشعار يمكن أن يتفهمه النخب العاملة في الفضاء العام وقليلٌ من المجتمع، لكن قد يقابله خطاب آخر ظل طيلة هذه الاعوام يستخدم شعارات دينية لم تتحقق، لكن سيجد الفرصة لتسويق شعاراته عبر تخويف المجتمع وقد يؤدي لانقسام عمودي في المجتمع إن لم يجره لبوادر حرب شاملة وحينها لن ينجوا أحد.



حول هذه القصة

ما يقارب خمسين سنة لم يكن لسوري أن يطلق قلمه أو صوته إلا بما يريده النظام الحاكم، مع أن سوريا كانت من أوائل الدول العربية التي نشط فيها الإعلام الحر.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة