ودخلت الكباش التحرير.. فماذا بعد؟!

في خطوة متوقعة؛ قامت الحكومة المصرية يوم الأربعاء الثامن من يناير الحالي؛ بإزالة أربعة من تماثيل الكباش الثابتة بالفناء الخلفي للصرح الأول بمعبد الكرنك بالأقصر، وتحركت بها نحو ميدان التحرير بالقاهرة، خطوة كانت متوقعة؛ لأن الحكومة لم تولِ اعتبارا لرأي جموع المختصين الذين نددوا بالقرار. ولم تهتم بالالتماس الذي تقدم به ما يقرب من 1000 شخص من العلماء والمهتمين بالآثار لرئيس الجمهورية من أجل التدخل لمنع تنفيذ القرار؛ لأنه مخالف للأعراف الدولية المنظمة للحفاظ على الآثار والمباني التاريخية، ولطبيعة الأثر المرتبط بموقعه الأثري.

    

ولم ترد الحكومة على طلب الإحاطة الذي تقدم به عدد من نواب البرلمان بخصوص قرار النقل؛ الذي اعتبروه غير صحيح لأنه يُعّرض التماثيل لعوامل التعرية التي تصاحب التغيرات الجوية والمناخية، وهو ما يؤثر بالسلب على قيمتها التاريخية والأثرية، إضافة إلى التكلفة التي تتحملها الدولة لنقلها من الأقصر إلى ميدان التحرير، بل لم تنتظر الحكومة موعد الجلسة الذي حددته المحكمة للرد على الدعوى القضائية التي تقدم بها المركز الاجتماعي المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في الأول من فبراير القادم؛ وهي الدعوى التي استندت إلى أن قرار الحكومة مخالف لنصوص الدستور والقانون وكذا ميثاق فينيسيا واتفاقية اليونسكو لعام 1970. فلم تنتظر الحكومة الموعد فتعجلت بتنفيذ القرار، ما دفع ببعض المواطنين في التاسع من يناير، بالتقدم بدعوى مستعجلة لمحكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، لوقف التنفيذ؛ واختصموا في عريضة الدعوى كلا من وزير السياحة والآثار ورئيس المجلس الأعلى للآثار بصفته.

    

هناك خطر أكبر قد ينتاب مصر وآثارها بشكل عام؛ ألا وهو أننا بفعلتنا هذه؛ قد خالفنا كل المواثيق والمعاهدات الدولية المرتبطة بحماية وصيانة الآثار

بل لم تستجب وزارة الآثار أو ترد على الخطاب الرسمي الذي أرسلته الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، رئيسة المركز العربي للتراث العالمي التابع لمنظمة اليونسكو، والتي رفضت فيه نقل الكباش لأنه مخالف لـ لائحة قائمة التراث العالمي، داعية إلى إجراء مشاورات قبل الإقدام على تنفيذ القرار. لذلك كله؛ لم يكن تنفيذ قرار نقل الكباش من الأقصر للتحرير بالشيء الغريب أو غير المتوقع من هذه الحكومة؛ خاصة وأن عددا من المسؤولين بوزارة الآثار برروا عملية النقل هذه؛ إلا أن تبريراتهم ينقصها الحقيقة والمصداقية. حتى أن من ضمن تبريراتهم التي يتزعم التصريح بها وزير الآثار نفسه؛ هو قولهم: إن مسلاتنا تزين ميادين أوروبا؛ فأولى بنا نحن أن نزين مياديننا بآثارنا.

   

ونسي أو تناسى الوزير ومن معه أن مسلاتنا المعروضة بميادين أوروبا هي مسروقة في الأصل ومنهوبة، ولم نقم نحن بحملها إلى تلك الميادين، بل إن المسلة المصرية بباريس والتي دائما ما يضرب بها الوزير المثل لتبرير قراره، ربما نسي الوزير أو تناسى أن شامبليون نفسه الذي حملها من الأقصر إلى باريس رفض وضعها في ميدان الكونكورد، وأراد وضعها في ساحة متحف اللوفر أو أمام كنيسة مادلين، لكن الملك لوي-فيليب الأول الذي كان قد وصل إلى الحكم أراد أن تقام في ميدان الكونكورد، وأصر شامبليون على رأيه معتبرا ميدان الكونكورد يقلل من هيبة المسلة، وساءت العلاقات بينهما، وتوفي شامبليون دون تحقيق مطلبه.

  

بل لقد استبعد شامبليون قبل ذلك فكرة تقطيع المسلة ووصف ذلك بـأنه تدنيس للمقدسات، وبالفعل لم تقطع المسلة، وشيدت فرنسا سفينة مستوية القاع تستطيع السفر في مياه البحار والأنهار، تفاديا لتعدد نقل المسلة من سفينة لأخرى، بل حتى شاعر الرومانسية الفرنسي تيوفيل غوتييه؛ حزن لوجود المسلة المصرية بميدان الكونكورد، ونظم في ذلك قصيدة أدبية، تخيل فيها حوارا حزينا بين مسلتنا بباريس ومسلتنا هنا أمام معبد الأقصر، تشكو كل منهما للأخرى آلام الوحدة، منها ما ذكره على لسان مسلتنا بباريس وهي تقول بألم: أشعر بالملل في وسط هذا الميدان. أنا غير متجانسة مع المكان. الثلج وقطرات الضباب المتجمد والرذاذ والمطر يثلج جبيني. أنا من استطعت بقامتي العظيمة تحدي الزمن، ووقف رمسيس ذات يوم أمامي كالقشة، صرت أداة تسلية في باريس. نهر السين الذي تصب فيه بالوعات الشوارع، هذا النهر القذر المكون من جداول يلوث قدمي التي كان نهر النيل أبو الأنهار يقبّلها كل فيضان.

  

كما أن الشاعر الفرنسي بيتروس بوريل؛ اعترض على نقل المسلة إلى باريس، وقال بعبارة شديدة اللهجة مخاطبا الحكومة الفرنسية: ألا يمكنكم ترك كل منطقة وكل مناخ محتفظا بمفاخره وبزخرفته؟ ليس لأي شيء قيمة إلا حينما يكون في موضعه الخاص ووسط أرضه ومسقط رأسه وتحت ظل سمائه. يوجد ارتباط متبادل وتآلف حميم بين الصروح والبلاد التي أقامتها. يجب أن تتجاور المسلات المصرية مع أعمدة المعابد.

  

لكن.. والآن وبعد أن دخلت الكباش ميدان التحرير، فما هو المنتظر؟ الحقيقة أن المنتظر كثير وخطير، فبعيدا عن الأضرار المدمرة التي قد تتعرض لها الكباش بسبب التغير البيئي والمناخي، فهناك خطر أكبر قد ينتاب مصر وآثارها بشكل عام؛ ألا وهو أننا بفعلتنا هذه؛ قد خالفنا كل المواثيق والمعاهدات الدولية المرتبطة بحماية وصيانة الآثار؛ والتي من بينها مخالفتنا لاتفاقية حماية التراث العالمي الناتجة عن المؤتمر العام لليونسكو عام 1972. فمصر وبعد مخالفتها لعدد من بنود الاتفاقية تصبح عرضة للشطب منها؛ رغم أننا في حاجة إلى إضافة مواقع أخرى بالقائمة، فنحن ورغم آثارنا الفريدة لا نملك بتلك اللائحة التي يندرج تحتها أكثر من 1100 موقع تراث عالمي؛ غير ستة مواقع أثرية؛ هي منطقة أبو مينا الأثرية بالإسكندرية، ومنطقة القاهرة التاريخية، ومنطقة آثار منف، ومدينة النوبة ومعابدها، ودير سانت كاترين، ومدينة طيبة القديمة. ومعبد الكرنك الذي تنقل منه الكباش هو جزء ضمن مدينة طيبة، ولذا فإن أي تغيير في تلك المواقع لا بد وأن يكون موافقا لبنود الاتفاقية ويتم التشاور حوله مع المنظمة حتى لا يتعرض للشطب من القائمة. فهل تُصّعد اليونسكو الأمر وتهدد بشطب مدينة طيبة من قائمة التراث العالمي؟ وهذا ما لا نتمناه. أم أن هناك أمرا آخر ستكشف عنه الأيام المقبلة؟!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة