من رضي بقضاء الله أرضاه الله بجمال قدره

مَعانٍ خَفيّة، وَحقائق جَليّة في الحكَم الربَانيّة، فالرضَا بقضَاء الله وَقدرهِ هُو بَابُ الله الأعظَم، وَجنة الدُنيَا، وَراحة الصَابرينِ المُحتسبينَ، جَفّت الأقلام، ورُفعت الصُحف، وقُضي أمرُ الله، فالذي يُصيبنا لَم يَكن ليِخطئنَا، وَمَا أخطَأنا لَم يَكن ليصيبنَا، قَال الله تَعالى في كتابهِ الكَريم، في سُورة الحَديد، آية رقم (22) "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا".

مَقاليد أمُور الخَلق، وَتصاريف أقدَارهم بَيد العَادل جَلّ وعَلا، فهوَ البَاسط وَالقَابض للخَير، يَرزق مَن يشَاء، ويصرفُ عمّن يشَاء، فإن أعطَاك أغنَاك، وإن منعَ عَنك أرضَاك، فحقيقةُ الرضَا بقضَاء الله وَقدره تَكمنُ في المَنازل العَصيبة، فإن رَضي المَرء بقضَاء الله بمَا فيهِ مِن عُسرٍ وَيسر، خَففّ الله مَصابه وَهمّه، وأذهبَ حَسرات نَفسه، قالَ الله تَعالى في كتابهِ العَزيز الكَريم، في سُورة الحَج، آيَة رقَم (34) "وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ"، أي المُطمئنين، والرَاضين بقضَاء الله، والمُستسلمينَ لأمرِه، وأمّا مَن توغّر صَدره واستشَاط غَضباً بقضَاء الله ألبسَه الله اليَأس والحُزنَ، فالانتقَائية بالإيمَان بالقَضاء والقَدر ليسَت مِن صِفات المُؤمن، وهيَ أن ترضَى بقضَاء الله في الرَخاء، وأن تسخَط في البَلاء، قالَ الله تعالى في كتابهِ الكَريم، في سُورة الحَج، آية رقم (11) "فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ"، فالرضَا بَاب الدينِ الإسلاميّ، ومشكَاة الاطمئنَان والاستقرَار.

العَقيدة السَماوية في الإيمَان بالقَضاء والقَدر خَيره وشره، تُعين المَرء على استحضَار أن الله تعالى رؤوفٌ رَحيم، قَدير كَريم، يُجزي الصَابرونَ عَلى صَبرهم

إنّ الراضِي بقضَاء الله، جَازمٌ ومُتيقن بأنه لا تبديلَ لِكلماتِ الله، ولا رَادّ لحُكمه، وأنّه مَا شَاء الله كَان، وَمَا لَم يَشأ لم يكُن، فالرضَا بالقَضاء مِن أسبَاب سَعادة المَرء، والسخَط عَلى القَضاء عليه من أسبَاب شَقاوته، وقَال رسُول الله صَلى الله عَليهِ وَسلم في مَعنى الحَديث: (مِن سَعادة ابن آدَم، استخَارة الله عزّ وَجلّ، ورضَاه بمَا قضَى الله، ومن شَقاوة ابن آدَم سُخطه بما قضَى الله)، فالراضِي مَع اختيَار الله، لا اختيَار نَفسه، وهَذا من بَاب حسن التوكّل عليه.

تَكمنُ ذَروة الإيمَان فِي أربعِ أمُور: الصَبر عَلى حُكم الله، والرضَا بقضَائه، والإخلاص والصِدق فِي التَوكل عَليه، والتَسليم لله عزّ وجل، واعتقَاد المُؤمن بأنهُ يَتحرك ضِمنَ مَجال الإرَادة الرَبانيّة، يُعطيه شُعور الرَاحَة والطُمأنينة، وتلبُس نَفسه السَكينة، وَهذا الشُعور بالإحاطَة الإلهيّة، يُعطي الإنسَان التَوازن في رُدود أفعَاله في حَالات الفَرح والحُزن، فيمضِي في قَضاء الله حُباً وَطواعيّة.

إذا أحبَّ الله عَبداً ابتلاه، فإن صَبر اصطَفاه وعَلَت دَرجته عندَ الله، ولا تزَالُ حَياة المُؤمن مَا بينَ صَبرٍ عَلى المِحن وشُكرٍ عَلى النعَم، حتَّى ينَال دَرجة الأبرار وَالصدِّيقين، قالَ رسولُ الله صلّى الله عَليه وَسلم: (أشدُّ النَاس بلاءً الأنبياء ثمَّ الأمثَل فالأمثَل، فيُبتلى الرجلُ عَلى حَسب دينهِ، فإن كانَ في دينهِ صَلابة اشتدَّ بَلاؤه، وإن كانَ في دينهِ رِقَّة ابتُلي عَلى قدرِ دينهِ، فما يَبرح البَلاء الإنسَان حتَّى يتركه يمشِي عَلى الأرض ومَا عَليه خطيئَة). إنَّ العَقيدة السَماوية في الإيمَان بالقَضاء والقَدر خَيره وشره، تُعين المَرء على استحضَار أن الله تعالى رؤوفٌ رَحيم، قَدير كَريم، يُجزي الصَابرونَ عَلى صَبرهم، قالَ تعالى في كتابه الكَريم، في سُورة الزمر، آية رقم (10) "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ"، فمن أُعطيَ الرضَا والتوكل فقد كُفيَ.

إن الارتباطَ الروحيّ بينَ الإنسَان وخَالقه، يأخذ بقَلب المُسلم، فَلا يَستشعر الوحدَة وهوَ يفكّر، ولا يتَحسّس القنُوط وهوَ يَفشل؛ بَل يبقَى شاكراً لتوفيقِ الله في السَراء، صَابراً ومُسلّماً لقضائهِ في الضرّاء، رافعاً يديه لربّ السَماء، مُناجياً إيّاه اللهمّ ارضِني بقَضائك، وبَارك لي في قَدرك، وكانَ عُمر بن الخَطاب رضِي الله عنه يقول: (مَا أبَالي عَلى أيّ حَالٍ أصبَحت عَلى مَا أحب أو عَلى مَا أكرَه، لأني لا أدري الخَير فيِما أُحِب أو فيمَا أَكره)، والله سبحانه وتَعالى قد قَرن اليقينَ والفرجَ بالرضَا، والهَمّ والحُزن بالسَخط، فلا تَشعر بالخَوف عنِدما تَخرج الأمُور من بينَ يَديك. عَليكَ بالرضَا بقَضاء اللهِ وَقدرهِ، فمَن مَلأ قَلبه بالرضَا، أرضَاه الله بَجميل قَدره، وَمَلأ الله رُوحه بالغنَى والأمَن ومَن سَخط فله مَعيشة ضَنكَى.

اقتباسات
العَبْدُ ذُو ضَجَرٍ والرَّبُّ ذُو قَدَرٍ والدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ والرِّزْقُ مَقْسُومُ
والخَيْرُ أجْمَعُ فِيما اخْتارَ خالِقُنا وفي اخْتِيارِ سِواهُ اللَّوْمُ والشُّومُ



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يكمن التميز بالقدرة على تسخير الإمكانيات المتوفرة لديك والمحيطة بك للتألق بتحقيق طموحاتك، وعدم إعطاء أي فرصة للإخفاق ولو تكرر، لكي لا يستولي عليك ويثبط عزيمك فتتخلى عما تطمح له.

من الناس من يرى سعادته بمال يجمعه، أو شريك يكمل حياته معه، أو منصب يصله، أو بلد يسافر إليه، لكن المال يفنى، والناس يتغيرون، فما سر السعادة الحقيقية؟

الأكثر قراءة