عن الرواية التي لا تزال أحداثها جارية (3)

خلال فترة الشباب تحكمنا رغبة قاسية ونزوع غامض نحو تحقيق الذات، فنحاول خلال فترة مراهَقتنا المنتهكة تحقيق ذواتنا بكل الممكنات، لنصطدم بأبشع الطرق لفعل ذلك، نحن الكائنات البشرية نخبئ نزوعا قويا لممارسة الشر، وما فترة المراهقة إلا فرصة لكي نتمكن من تعديل موازين شخصياتنا من أجل أن نواصل حياتنا كما ينبغي، ولا يكون ذلك ممكنا إلا في ظل ظروف تتعامل مع هذه المراحل بعقلانية، ولكن وسط مجتمعنا المغربي، يصير المراهقون عرضة لأسوأ ما تعرضه الحياة، ولعل وعينا يغيب كثيرا في تلك المرحلة، فنضطر محملين بالندم إلى محاولة استدراك ضياع يكاد يتربص بنا، وذلك عندما ندرك بيقين أننا أسياد ذواتنا مهما تنازعتنا رغبات لا نحققها إلا بالهروب من المجتمع، فإذا كانت طفولة أنير ممتلئة بما يكفي من الرغبات، فإن مراهقته كانت ملاذا جزئيا لتحقيق بعض مخلفات طفولته.

 

كلما أعاد أنير استرجاع ذكريات مراهقته أمام تتريت، والتي صارت رفيقته بفعل الانسجام والتوافق الفكري الذي حصل بينهما فجأة، يجد في فترات مراهقته ملاذا لمجموعة من الاحتياجات، والتي ظل يقمعها طيلة طفولته بفعل الظروف، ورغم أن كل ذلك مجرد ذكرى على مرأى من تتريت، إلا أن فتيل غيرتها يشتعل في صمت، وهي التي تحاول مكرهة أن تغطيها بقليل من ضبط النفس، خصوصا في اللحظات التي يحكي فيها أنير عن مغامراته مع الجنس اللطيف، لم تكن علاقة أنير بالنساء تسير كما يشتهي، فكان في كل مرة يتورط في مشكل لم يكن يتوقعه، ذلك أن أنه قرأ على لسان أم محمود درويش: تزوج أي امرأة من الغرباء، لكن لا تصدق أي امرأة سواي.

 

نفشل غالبا كلما تسرعنا في الارتباط بشريك، بمجرد ما يشدنا انجذاب مجهول نحوه، نفشل لأننا لا نقتنع بالشخص كما ينبغي، فقط تلك الرغبات التي ينبذها العقل تجعلنا لا ننظر إلى المدى البعيد، يتملكنا الحاضر بحضور نرغب معه في القبض على لحظات ممتعة

وأنير كان ولا يزال لا يصدق الكثير من النساء، اللهم ما جعلته تتريت يصدقه بفعل العاطفة لقد تصادف أنير مع عدة نساء مطلقات كان المال هدفهن في العلاقات، وبما أن انير لم يكن يملك المال الكافي، كان الكذب وسيلته في إبراز ما ليس لديه، وبما أن الكذاب يقضي على الطماع كما يقول المثل المغربي، فإن أنير كان يقضي على كل النساء العابرات من حياته بكذب يفتعل به حياة لا تناسبه، ويربي بذلك نفسه على شخصية لا تليق به، ولكن بمجرد ما استفاق من لعبته المريضة، قرر تغيير قواعده، والبحث عن شريك يبرر به كل ما ارتكبه في حق مشاعره ومشاعر البعض من النساء اللواتي صادفهن خلال عُشريته الثانية.

 

كانت سعاد أكثر من صديقة بالنسبة لأنير، وهي بدورها كانت تحسبه كما تقول لصديقاتها ابن أختها، وهو المتنكر بزي الخجول والمستحيي كلما استدعته الظروف إلى ذلك، ولقد تأثر بمشاكلها وهمومها أكثر مما كان يتوقع، ففشلها في زواج كان ثمرته أربع بنات، لم يفقدها الأمل في الرجال، لكنها ستفقد الأمل مع زوج أو بالأحرى عاشق، اكتشفت أنه لا يليق بهذا الوصف، لقد تركها حاملة منه، دون أن تتقيد بالقانون معه، وكلما ابتعد عشيقها المغفل كلما رغبت في عودته، لعله حنين يملأنا بمن يبتعد عنا، أو لعلها رغبة أنثوية تسكن بعض الإناث اللواتي يجدن ضالتهن في وجود رفيق يشعرن معه بالأمان، لكن هذا الجانب الرومانسي من الحكاية، كانت سعاد أبعد من أن تعيشه، بعد فشل متواصل مع الرجال، حتى القانون لم ينصفها في الحصول على نفقات بناتها، وابنها اللقيط، هذا الأخير ستحول الظروف لكي يتحرر من صفة اللقيط، لأن سعاد قامت بكل الممكنات لكي تنقذه من الضياع، فعلت ذلك بمساعدة أصدقائها من بينهم أنير، من أجل ابن صديقته، قرر أنير أن يرتكب خطيئة شهادة الزور، لأن فرار الزوج من مسؤوليته، سيدفع هذا الولد البريء إلى الضياع، لكن بشهادات تبدو أقرب إلى الواقع، حصلت سعاد على ثبوت الزوجية، لم تنكر سعاد لأنير مساعدته، ذلك أنها كانت توفر له الملجأ لكي يجالس فتياته بين الفينة والأخرى، ويبدو أن أنير يحتفظ كثيرا بهذا النوع من الصداقات، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر.

 

لم تكن انشغالات سعاد تليق بأن تكون صديقة لأنير، لكن ذلك لم يمنعهما من أن يكونا صديقين، فنظرته  إلى الظروف يدفعه لتقبل هزائم الآخرين بقلب واسع، أحيانا تأخذنا الحياة إلى أعقد الظروف، لكي تبرز لنا الأشخاص الذين يستحقون التواجد في حياتنا، وقلما نجد من يسعدنا تواجدهم معنا، لأن الخذلان يحتل جزء كبيرا من وجودنا، ورغم ذلك هناك أشخاص يصير وجودهم في حياتنا غير مرغوبا فيه، ذلك أن الشخص الذي جعل سعاد تصير صديقة لأنير، خذل أنير أكثر من مرة، قبل أن تنتهي علاقتهما بشكل مثير للأسف، ولهذا لا ينبغي أن نعتقد بأن كل من نصادقهم هم أصدقاء فعلا، هناك من يتواجدون معنا من أجل مصالحهم، وهناك من لديهم أصدقاء أخرين، ونحن لسنا سوى فرصة لملء الفراغ الذي يتركه لهم الآخرون، ولا ينبغي أيضا أن نستثني أنفسنا من هذه اللعبة، في ظل كل ما اختبره أنير مع سعاد من صداقة مفعمة بالمصالح، استنتج أنه رغم ذلك تستحق أن تكون ضمن لائحته الطويلة، والتي لم يجد بديلا من تقليصها كل مرة، في ظل ذلك لا يزال أنير متشبتا بعلاقته بتتريت، والتي كانت في البداية مجرد صداقة خالية من المعنى، قبل أن يصنع فيها الحب هذا المعنى، ولعل هذه الصداقة التي تصير حبا، تبدو أقرب إلى النجاح بنفس القدر الذي تفشل معه الصداقة التي جاءت بعد حب فاشل.

 

نفشل غالبا كلما تسرعنا في الارتباط بشريك، بمجرد ما يشدنا انجذاب مجهول نحوه، نفشل لأننا لا نقتنع بالشخص كما ينبغي، فقط تلك الرغبات التي ينبذها العقل تجعلنا لا ننظر إلى المدى البعيد، يتملكنا الحاضر بحضور نرغب معه في القبض على لحظات ممتعة، يمكن أن توطد علاقتنا بشريكنا، لكن سرعان ما يتسلل إلينا الملل، يتسلل إلينا عندما لا نقتنع بمن نختار أن نكون معهم، فقط مجرد إعجاب أو انجذاب، يدفعنا لكي نتورط في الآخر، وبمجرد ما نتجاوز معه تلك البدايات التي تكون في الغالب ممتعة، يحين دور اللحظات التي تُبرز معدننا، وتبرز معه مدى تسرعنا في اختياراتنا، في الحياة كلما تسرعنا في الحصول على شيء ما، كلما كانت حظوظ خسارتنا له كثيرة، والعكس صحيح، ولما كان أنير واعيا بهذه الفكرة، قرر بتريُّث مبالغ فيه، أن يجعل علاقته بتتريت تسير ببطء شديد في لحظات صداقتهما التي طالت قبل أن تصير حبا لا يدريان بعد إلى أي مدى يمكن أن يستمر، ويبدو أن اختيارهما كان موفقا إلى حد كبير لأن ما يجمعهما قبل أن يكون حبا، كان وعيا بالحب، وما أجمل أن يصير الوعي هو مرشدنا في لعبة الحب المعقدة، رغم الفرق الواضح بين العاطفة والعقل.

 

لعل رغبتنا في الشعور بالحياة تجعلنا ننسى ذواتنا حتى في اللحظات التي تختبرنا فيها الحياة، ولعل سعاد تلك الصديقة الوفية لأنير، سيطرت عليها مشاعرها وانفعالاتها المستهلكة، ودون أن تفكر بعمق، تورطت في حب عاشق، لم يترك لها سوى ولد كاد أن يكون لقيطا، لولا تدخل شهود الزور لإنقاذ الموقف، لقد أنقذوا هذا الطفل بشكل ما، وورطوا أنفسهم في لعبة ينبذها الرب، لكن هل هذا الفعل يستحق أن يأخذه الرب في الحسبان، أم أن انقاد طفل بمثابة فعل يستحق المغفرة؟ أم أن عشيق سعاد يستحق أن يُظلم لأنه لم يتحمل مسؤوليته تجاه طفل تسبب في ولادته؟ أم أن الطفل بريء ووالده بريء، وما يستحق العقاب هي سعاد، والتي ورطت عشيقها في كنف حمل لم يكن يتوقعه هذا العاشق؟ أم أن أصدقاء سعاد تدخلوا فيما لا يعنيهم، وورطوا هذا العاشق السيء الحظ في لعبة محظورة على حساب حياة طفل قد يصير أفضل من أبيه لو ساعدته الظروف على ذلك؟ هكذا تُدخلنا تفاصيل صغيرة في إشكالات كبيرة، وهكذا ورط أنير نفسه في هذه القضية باسم صداقة قد لا تستمر مع الوقت، وبمبرر يراه أنير صائبا لفائدة هذا الابن الذي يستحق على الأقل أن يعيش بعد أن تسلل مُكرها إلى الحياة، إلى حياة ما كان ليختارها في ظل ما هذا الكابوس الذي استقبلته به الحياة. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة