صنعاء.. السحر الذي أصبح مدينة

في أخر زيارة لي لمدينة صنعاء القديمة، أُصبت بالصدمة من هول ما رأيت من اهمال شديد وتعديات بالجملة، شوهت جمال ما تبقى من هذه المدينة العريقة، التي أسهب في الحديث عنها الحكماء، وهام وتغنى بها الشعراء، وتزاحمت بقصصها وأساطيرها كتب التاريخ، حتى قيل إنها السحر الذي أصبح مدينة، في هذه المقالة احاول أن أعيد التذكير بالقيمة العظيمة لهذه المدينة التاريخية، علها تلفت نظر الجهات المعنية للاهتمام والمحافظة على ما تبقى منها.

 

قصة منشأ مدينة صنعاء

ذكر الرازي في كتابه "تاريخ صنعاء"، أنه لمّا توفي نوح عليه ‌السلام أرتاء ابنه سام السكنى في أرض الشمال فأقبل طالعا في الجنوب يرتاد أطيب البلاد حتى صار إلى الإقليم الأول فوجد اليمن أطيبه مسكنا، وارتاد اليمن فوجد حقل صنعاء أطيبها.. فوضع مقرانة ـ وهو الخيط الذي يقدر به البنّاء إذا مدّه بموضع الأساس ـ في ناحية فج عضدان في غربي الحقل مما يلي جبل عيبان، بين نقم وعيبان، وهما جبلا صنعاء شرقياً وغربياً، وتقع صنعاء القديمة اليوم فيما بينهما.

 

متحف مفتوح

يُخيل لمن يدخلها أول مرة أنه امام متحف مفتوح بكل ما فيها من حجر وبشر، فقد حافظة صنعاء على رونقها، وتمسك سُكانها بعادات وتقاليد أهلها القدامى. تصيب الناظرين إليها بالدهشة، وهو ما تسأل عنه الأديب اليمني عبد العزيز المقالح، عما الذي يصنع الدهشة في عيون زائري مدينة صنعاء القديمة، هل هو عطر التاريخ أم شيخوخة الأحجار، هل هو نظام البناء أم مادة البناء، وهل هو توهج الأيام الغابرة أم طريقة التخطيط والترتيب. في صنعاء، أصبح الفن كائناً حياً يسير في أزقتها وينفذ من تدرج ألوان عقودها ليتسلل الى أعماق النفس البشرية، معطراً بنكهة قوية من التاريخ.

   

   

التصميم المدني والمعماري

وحدها صنعاء بين سائر المدن القديمة تميزت بما يُطلق عليه، المجمعات السكنية الصديقة للبيئة، او بما يعرف في صنعاء بالبناء حول "المقاشم"، تميزت به وبما يرتبط بهذا الفهم من تداخل حيوي بين البناء كفن والبيئة الطبيعة من حوله، التي جعلت من هذه المباني تحف فنية انشقت من ذات الاض. وقديماً في معظم الحضارات كانت الحدائق يرتبط بنائها بقصور الحكام والأمراء، أما في صنعاء فالحدائق والبساتين مكون رئيسي في معظم أحيائها.

 

تضم صنعاء اربعة أنماط معمارية، النمط العربي الذي كان شائع قبل الإسلام، والنمط الإسلامي الذي انتشر وشاع بعد ظهور الإسلام، والنمط العثماني، وأخيراً النمط اليهودي. قُسمت مدينة صنعاء جغرافياً الى ثلاثة أجزاء، اولاً الجزء الشرقي من المدينة وهو الجزء الأكبر والأهم الذي يضم الأحياء القديمة والأسواق والمساجد والمآذن، وتميزت فيه المباني بالفخامة والزخرفة وتعدد الطوابق، وتجلت فيه أهم خصائص فن المعمار اليمني القديم، ببساطته الساحرة وجمالياته المبهرة. ثانياً، الجزء الأوسط، وهو مجموعة من الحدائق يتوسطها منازل ذات الطابع العثماني، التي تحل الشبابيك الخشبية فيها محل النوافذ والعقود الزجاجية الملونة المنتشرة في باقي المدينة.

 

ثالثاً، الجزء الذي يضم مدينة اليهود بأحيائها الكثيرة وأزقتها الضيقة وبسوقها الصغير الذي قسم هذه المدينة الصغيرة إلى قسمين أحدهما شمالي والآخر جنوبي، وتميزت منازل الأحياء اليهودية بنمط مغاير لكل الاساليب العربية والاسلامية والعثمانية الشائعة في صنعاء، بحيث أن ارتفاعها لا يزيد عن طابقين، وكل منزل ملاصق للمنزل الاخر حتى ان الأسطح تبدو كأنها سطح منزل واحد، ويتوسط سطح كل بيت فتحة واسعة رصفت أرضيتها بالأحجار، كما يتوسط سطح أهم غرفة في المنزل فتحة صغيرة خاصة بالطقوس الدينية اليهودية وتظل هذه الفتحة مغلقة ولا تفتح إلا في الأعياد ومناسبات اخرى معينة. وكان يفصل ما بين مدينة اليهود والجزء الأوسط من المدينة سور ترابي يتواصل مع السور الكبير لـ صنعاء، وكان له بابان يغلقان مع غروب الشمس ويفتحان مع شروقها.

 

واستُخدم في بناء معظم منازل صنعاء القديمة الحجر الهندي واللبن والآجر و(الطوب المحرق (القرميد، وكلها مزخرفة ومبيضة بالجص من الخارج. ويبلغ ارتفاع بعض منازل صنعاء اليوم إلى ثمانية طوابق، ويصل بين كل طابق حزام من الخارج يتم عمله من مادة البناء نفسها بأشكال هندسية رائعة الزخرفة. ويستعمل الطابق الأرضي عادة كمخزن، والطابق الأول يكون فيه دواوين كبيرة واسعة للاجتماع في المناسبات. والطابق الثالث يخصص للنساء والأطفال، أما الطوابق الأخيرة المرتفعة فينفرد بها الرجال. ويوجد في معظم منازل صنعاء القديمة حجرات في أعالي المنازل تدعى مفرج أو طيرمانة، وهي مستطيلة الشكل ذات نوافذ واسعة ومنخفضة ليتمكن الجالسين فيها أثناء المقيل من رؤية حقول صنعاء وبساتينها وازقتها الضيقة. وكان يراعى في تصميم هذه الغرف أموراً عدة، أهمها تقلبات المناخ، ما يجعل هذه الحجرات معتدلة الحرارة والبرودة صيفاً وشتاءً.

     

     

سور صنعاء وأبوابها السبعةسور صنعاء وأبوابها السبعة

كلمة "صنعاء" في الكُتب القديمة تعني المدينة الحصينة، فقد كان لصنعاء سبعة ابواب وسور عظيم يحيط بها من جميع اطرافها، بني من جدران سميكة معمولة من الطين واللبن، ويوجد في هذا السور ابراج خاصة بالجنود القائمين على حراسة صنعاء، بنيت على ابعاد متناسبة ومسافات هندسية متساوية، وكان يوضع فيها المجانيق. للأسف لم يبقى من ذلك السور الا جزء صغير جداً من الجهة الجنوبية الذي يوجد فيه باب اليمن، وحتى هذا الجزء يتعرض حالياً للخراب بسبب عدم ترميمه منذ فترة طويلة، ويتخوف المهتمين بالتراث من أن ينهار هو ايضاً، أن لم تتحرك الجهات والمنظمات المعنية. أما الأبواب فلم يبقى منها إلا باب اليمن وهو الباب الوحيد من الأبواب السبعة الذي لا يزال موجود، وظل محافظ على جماله وروعته بالرغم من كل هذه السنين.

 

آثارها الإسلامية

كان في صنعاء ما يقارب 106مسجد كما ذكر الرازي في كتابه تاريخ صنعاء، لم يتبقى منها إلا النصف تقريباً، وأشهرها مسجد الجامع الكبير، وهو أول مسجد بني في اليمن، بحسب بعض الروايات. وقد تتابعت فيه أعمال التوسعة، الى أن نزل سيل عظيم في سنة 265هـ، دمر جزء كبير من المسجد، فقام أمير اليمن حينها محمد بن يعفر الحوالي ببنائه من جديد وقام بتوسعة حتى أصبح على هيئته الراهنة التي نراها اليوم، بحسب بعض المؤرخين. ورغم أنه قد تم توسعته وجُدد أكثر من مرة خلال أزمان متعددة، إلا انه ما زال على أحسن حال ويحوي الكثير من القطع التاريخية الاثرية، حتى أن بعض القطع التي استخدمت في بنا المسجد هي قطعاً أثرية كالحجارة التي قيل انها اخذت من أنقاض قصر غمدان ودعائم تحمل نقوش قديمة نحتت نحتاً فنياً متقناً، وباباً قديماً عليه نقوش حميرية بارزة.

  

صنعاء حوت كل فن

ذكر المؤرخين انه كان يوجد في صنعاء القديمة أكثر من 28 سوق، إذ كان لكل حرفة ومحصول زراعية أو منتج سوق خاص به. بعض هذه الأسواق اختفى تماماً، والبعض الآخر ظل قائماً ولايزال محافظ على الشكل والنمط القديم التي بني عليه، ومازالت هذه الأسواق تعج بالزوار من كل مدن اليمن. من هذه الاسواق التي ظلت قائمة الى الآن، سوق الملح، الذي يوجد به الكثير من المطاعم والمقاهي التي تقدم المأكولات والمشروبات الصنعانية التقليدية. وتشتهر صنعاء منذ القدم بصناعة "الجنابي" الخناجر وأحزمتها الجلدية، ويطلق عليه في اليمن "عسيب"، والصيغ الفضية والذهبية والأدوات المنزلية النحاسية والفخارية. وبقيت صنعاء لعقود محطة تجارية مهمة، ووجهة كل تاجر ومهو افئدة كل رحالة، فقالوا عنها "صنعاء حوت كل فن"، و"لابد من صنعاء وأن طال السفر، وان تحنى كل عود وانعقر".

   

         

صنعاء قدرها ألا تموت

بالرغم من كل ما حل بصنعاء من خراب جراء الحرب الاخيرة والأوضاع الغير مستقرة التي لا تزال مستمرة، إلا أن التاريخ أخبرنا أن صنعاء كان قدرها دائماً أن تكون في فوضى وتقلبات الأحداث، فهي ذات المدينة التي كادت أن تُقتلع من جذورها في عهود الاضطرابات السياسية العديدة التي مرت بها اليمن. فما أكثر الخراب الذي حل بها، فقد تم اجتياحها ومحاصرتها مرات عديدة لدرجة انه تم اقتحامها أكثر من عشرين مرة خلال اثني عشرة عاماً، بين 901م و913م، لكن قدر موقعها كان دائما قادراً على ان يستعيدها من جديد. لقد صمدت صنعاء قروناً ضد الكوارث الطبيعية كالسيول والتقلبات المناخية الأخرى، وصمدت أيضا ضد عدوان الإنسان، وبقيت إلى اليوم شاهد حياً على حضارة أصيلة، ذات مستوى فني رفيع، مزجت بين الفن الجميل والتصميم المعماري الفريد مستجيبة في ذات الوقت لحاجات ساكنيها المادية والنفسية والروحية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة