سبعُ حقائق أكدّها حراكُ الجزائر

سيغلقُ الحراك عامَه الأول قريبًا، وباستطاعتنا القول أنّ ما حصل في هذا العام من أحداث متسارعة جعل الجزائر وشعبَها محطّ أنظار العالم، بعد أن غابَ عن أنظارها ثوريا خلال السنوات السابقة، أيّ في زمن الربيع العربي. مع أنّ لكلّ بلد خصوصيته التي تحدّد بداية أو نهاية الثورة، إلاّ أنّ ثورة الجزائر التي اختار شعبُها أن يطلق عليها اسم الحراك لعدّة أسباب لعلّ أهمّها ما حملته كلمة الثورةِ لبلدان الربيع العربي من مآسي، لا يرغب الجزائريون بتكرارها في بلادهم مهما كان حجم الكلمة يليق بالحدث نفسه، إلاّ أنّ هذه الثورة كانت الأقل ضررا من حيث الخسائر والأرواح البشرية، وهذه تُعَدُّ نجمةً ميّزته وجعلت الجميع يتحدث عنه. ولأنّ حراك الجزائر لا يختلفُ كثيرًا عن غيرهِ من الثورات، وجدتُ نفسي أمام سبع حقائق اجتمعت فيه وفي ثورات الربيع العربي، سبعُ حقائق أجزم بأنّها لن تتغيّر مهما حاولنا أن نكتبَ عنها أو نوعي الشّعب إليها. هذه الحقائق هي:

 

أولا: الاختلاف يفسدُ الكثير من الود:

وهذا ما تحدثتُ عنه مُطوّلا في مقالٍ سابق بعنوان "لماذا اختلف أبناءُ الحراك في الجزائر". فكم مِن صديق أصبحتْ كلماته ضدّك كالرصاص، ولم تسلمْ نقاشاتُه من عداوة، ولم تخلُ من تجريح وبدلا من أن تُوجّه الأقلام لنقاش قضايا البلد وتوضيحها، تحوّلتْ إلى سكاكين ينخرُ كلُّ طرفٍ بها جسدَ الآخر، وبدلا مِن أن يلملموا خرابَ هذا البلد اختاروا التّراشُق المغلّف بالسخرية وسيلةً تُلهيهم عن الهدف الذي خرجوا واجتمعوا من أجله. وهُم لا يعلمون أن هذا الأسلوب خلقَ حواجزَ في وجه إخوتهم تحتاج الكثير من شجاعة العفو كي تزول.

 

ثانيا: الوطن لفئةٍ دون غيرها:
في حراك الجزائر التقينا بهذا النوع من المتسلّقين أيضا، بين من كان ينادي بالثورة ويشتِم كلّ الوزراء من عهد بوتفليقة، ويتأفّف من القرارات ويشجُب عبارة الانتخابات عندما تمرّ على مسامعه، ثمّ بعد ذلك تمّ تسكيتُه بمنصبٍ وزاريّ أو جمعية أو ربّما منظمة

وهنا أخصُّ بالذكر تلك الفئة التي تخاطبُ كلّ معارضٍ بفوقية، وتعتبرهُ خائنا وعميلا وواحدا من الأيادي الخارجية المنتشرة داخل وخارج البلاد، هذه الفئة تعتبرُ نفسَها الوحيدة التي تملك الحقّ في النقد والانتقاد والتحدّث عن أوضاع البلد لأنّها تعتقد أنّ نصرتها للنظام هي الضوء الأخضر الذي يسمح لها بذلك، فكلّ ما يرونه من حلولٍ هي وحدَها النّاجعة، طالما أنّهم يدينون بدين النظام وأزلامِه، هذه الفئة نفسها تجدها تخاطب كلّ معارض في الخارج بالقول: "عُد إلى بلدك واعترضْ كما تشاء" وعندما يكون في بلده ويُسجَن يعودُ نفسُ الشّخص ليخاطبَه باستهزاءٍ وبلغةٍ مليئةٍ بالتّشفّي، ناعتًا إيّاه بالخائن وأنّ ما نالَه هو جزاء الخيانة.

 

ثالثا: الموت يجبّ ما قبله:

نعم يا أعزائي؛ إذا ماتَ طاغية أو زعيم أو قائد عسكريّ، فإنّ كلّ ذنوبه تُمحى بكبسة زر، وكلّ شرورِه تُمسَح بممحاةِ الأخلاق التي تظهرُ فجأةً في مواقف كهذه، ثمّ يبدأ البحثِ عن خصلةٍ حسنة للحديث عنها، وهنا لا يحقُّ لك سوى أن تترّحم عليه وتترُك أعمالَه ومولاهُ، فماذا ستستفيد لو قمتَ بالحديث عن رجلٍ رحل؟ ألم تسمعوا بقصة الجنرال الذي ماتَ في إحدى الدول العربية، فأقامُوا له جنازةً عظيمة، تحوّلت إلى ماراتون للركض والنّدب، قالوا عن هذا الجنرال، أنّه حفظ البلاد من الفتنة، وحمى شعبَها الشّرذمة من الرصاص، ولكنّه كان في الماضي جزءًا من النظام، وواحدًا من لصوصه، وفي ماضٍ آخر كان جزءًا من حقبة سوداء، لا يعرفُ خباياها إلاّ القليل، ولكن مَع ذلك هو إنسانٌ نبيل وشهم، وبموته انتهى الرجال من البلاد، لذا يستحق أن تُسمَّى المقاهي باسمه، والمواليد الجُدُد كذلك، إنْ كنت لم تسمع عنه، فستقرأ سيرتهُ قريبا في كتب التاريخ.

 

رابعا: نظرية المؤامرة باقية وتتمدد:

هذه النظرية لا تختلفُ كثيرًا عن كلمة الفتنة التي حوّلها البعضُ إلى فزّاعة، فلا كلمةُ الفتنة أصبح لها قيمة، ولا نظرية المؤامرة خرجتْ من الدائرة الضيّقة التي وُضِعت فيها، ولكنّهم كحكامنا يُصرّون على تحميلِ كلّ مشاكل البلد إلى هذه النظرية، التي لو كانَ لها لسان لاشتكتْ وهجتْهُم بأقذعِ العبارات، وأشدّها قُبحًا، فلا تكاد تقومُ حادثة في الوطن، حتى ينسبوها إلى المؤامرة بسرعة، كَمَن يغطي سوءته برداءٍ شفاف، لأنّه يعلم أنّ وراء كلّ ذلك، أشخاصٌ لن يقوَ على نُطق أسمائهم دون أن يلتفتَ وراءه خوفًا.

 

خامسا: لكل ثورة متسلّقوها:

في حراك الجزائر التقينا بهذا النوع من المتسلّقين أيضا، بين من كان ينادي بالثورة ويشتِم كلّ الوزراء من عهد بوتفليقة، ويتأفّف من القرارات ويشجُب عبارة الانتخابات عندما تمرّ على مسامعه، ثمّ بعد ذلك تمّ تسكيتُه بمنصبٍ وزاريّ أو جمعية أو ربّما منظمة، وبين مَن جعل مِن الحراك فرصةً ليخرجَ علينا كلّ يوم، -بعد أنْ أعجبَه شكلُه وهو يحلّل- بمنشورٍ أو فيديو يصنّف فيه أبناء الجزائر بناءً على عددٍ من المنشورات والتغريدات التي جعلتْه يظنُّ أنّه الأب الروحيّ له، فغدا من الطبيعي جدا أن تجده يُخوّن أخاه أو يضع مقاييسَ يتوجب على أبناء الحراك أن يسيروا عليها، وقد تصل به درجة الغرور لأن يعتبرَ كلّ انتقادٍ ونقدٍ، بمثابةِ هجومٍ على شخصِه لا فكرتِه.

 

سادسا: للمذنبِ أعذارُه:

لا أسوأ من المذنب إلاّ الفئة التي تدافع عنه وتضع له من الأعذار والمبرّرات الكثيرة ما يعجزُ اللّسان عن وصفه، يجدُ هؤلاء لذةً في النّبش عن عذرٍ يدافعون به عن كلّ فعل أهوجٍ يقوم به البلطجيّ، سواء أكانت بلطجةً لفظية أم عدوانية، وسواء كان صاحبها مؤيدا أم معارضا، يضعون ضميرَهم جانبا عندما يتعلق الأمر بموضوعٍ يؤيّدونه، في حين أنّهم يبحثون عن أيّ زلّة لسواهم حتى لو كانت زلّة في لافتة.

 

سابعا: الإعلاميّ الحرباء:

أثبتَ بعض الإعلاميين في الجزائر نفاقهم، فلم يكتفوا بالتّغريدات المسيئة للحراك، بعد أن ادّعوا أنهم كانوا منه يومًا، بل عمدوا إلى استفزاز شبابه بعباراتٍ لا ينطق بها من تعلّم في الجامعات، وبتصرفات لو سُمِح لهم أن ينزلوا إلى الشّارع بعصا، لما تردّدوا في ذلك، وكأن في رأس كلّ واحد منهم دكتاتورا صغيرا، يعتبر أنّ الدفاع عن الجزائر يكون بشتى الطرق حتى لو كان التلون والشّتم والبطولات الوهمية على مواقع التواصل واحدا منها، فلم يعد يكتفي هؤلاء بنقل الخبر وقراءته وقول رأيهم بكلّ موضوعية، بل أصبحت رسالتهم تتركز في دعم كلّ طاغية جديد بما أتيح لهم من سُبل رخيصة، والتملُّص من دعم آخر كانوا يومًا يقفون على بابه.

 

لستُ هنا لأردد على مسامعكم ما يقوله البعض من عبارات التمجيد والمقارنة مع ثورات البلدان الاخرى، فأنا من البداية رفضتُ أن تُقارَن أيّ ثورةٍ بغيرها، لأنّ لكلّ بلدٍ تجربته وطواغيته، ولستُ هنا لأتفاخر بحراك بلدي وأقول كما يقول البعض بأنّ حراكنا هو الأفضل والأجمل، فكلّ شعب يرى في ثورته مالا يراه الآخرون، وكلنا هنا طالبوا حرية وعدالة، وهذا ما نسعى إليه حتى وإنْ قوبلنا بالرصاص والاعتقال والتّهميش والتخوين، فالثوراتُ تتشابه في البدايات دائمًا، هي لحظاتُ غضبٍ تتراكم لتنفجرَ كالبركان، وبحرُ مشاعر قُتِلت بفعل الوقت والكبت لسنوات، ثمّ وجدتْ طريقًا تُبَثُّ فيه روحُها من جديد، هو طريق الحرية الذي يُصِرّ الطّغاة على ملئِه بالخراب ودفن ما تبقّى من أملٍ في المصحّات.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة