الخذلان.. ذلك الجرح العميق!

في زمن الحرب العالمية الثانية عندما كان الناس يموتون في غرف الغاز كان هناك حب يولد بين جبهات القتال بين المعتقل المنسي في معسكرات الاعتقال وحبيبته التي تقطن بعيداً عنه يناجي صورتها في معتقله وهو ينظر إلى السماء من خلال قضبان زنزانته ويرى صورتها على هيئة غيمة في السماء ويتحدث إليها وكأنها بجانبه يشعر بها وبلمسة أصابعها على وجهه يبكي ويشعر بأنها تكفكف دموعه يتنهد وهو واضعاً يديه فوق رأسه يجهش بالبكاء دون أن يشعر معه أحد وكان يعلم بأنها تنتظره بالرغم من أنه لا يوجد أي بصيص للأمل يشعره بأنه سيغادر هذا المعتقل حياً ولكنه كان يؤمن بأن من يحبونه لا يمكنهم أبداً أن يخذلونه حتى لمجرد الشعور به!

 

هذا الدرس العميق الذي يفتقده كثيرون في هذه الحياة أن لا تخذل أحد لطالما وضع بداخلك كل مشاعره وثقته وحبه وصدقه فألقى في سلة روحك كل مشاعره ونبضه دون أن ينتظر منك سوى الحب ولا شيء سوى الحب بجميع أشكاله وفي كل العلاقات بين البشر بين الصديق وصديقه والحببيب وحبيبته فلا تخذلوا من يضعون ثقتهم بكم فأنتم الأعلون لذلك منحناكم كل ما نملك من مشاعر صادقه وجميلة وحقيقة دون أن نزيفها أو نجملها بل قدمنا كل ما نملك كما هو على طبيعته دون أي تصنع أو عمليات تجميل.

صغيراً تجرعت مرارة الغربة، وكأنما تكوّنت روحي وشُكّلت لتنسجم مع بيئتيهما وقسوتيهما، لم أتحسس ملمس الطفولة التي عاشها أقراني، فالظروف جعلتني أحرق المراحل التي تفصل بين الطفل والرجل، وأرمي طفولتي جانباً وأتقمص صورة الرجل في سن مبكرة، لتطبع السنين بصمتها على ملامح وجهي.

 

هؤلاء عانقوهم وأكتبوا عنهم بالإسم أمام الملأ لكي لا تندموا يوما على شكرهم والحديث عنهم فهؤلاء هم الأنقياء الذين لا يتلونون لا يمكنهم أن يكونوا في المنطقة الرمادية بل مكانهم الوحيد بالمنطقة البيضاء الناصعة البياض

ما مررت به من مراحل كبيرة في هذه الحياة جعلتني أكون على يقين بأن هذه الحياة ما هي إلا صفعات تكون على هيئة خيبات متتالية ليس لأنني الأسوأ ربما أكون الأصدق وربما لا أكون ولكن الخيبات والخذلان جائتني بالوقت الذي كنت أنتظر فيه سنداً يقف معي فيما مررت فيه من سقوط مدوي كما تسقط المدن في زمن الحرب هذا الألم الكبير الذي  لا يمكن وصفه سوى بأنه خذلان كبير لا يمكننا تفسيره بأقوى من هذه الكلمة التي تقسم الظهر صفعات الخذلان التي آلمتنا هي صفعات كانت على هذا الشكل:

 

سيتركونك عندما تتوقف عن الوقوف بجانبهم مرغماً وسيتركونك عندما تجف غيمتك من إسقاطهم بالأمنيات سيتركونك عندما لا تستطيع أن تقول لهم هيا بنا لنجتمع سيتركونك عندما تتوقف جيبتك عن إعطائهم ما يريدونه، سيتركونك عندما تحتاجهم في أهلك الأوقات ستكون كنخلة في وسط الصحراء لا يصلها الماء سوى من رب العالمين وستكون كالطير الذي أضاع عشه ليعود إلى أمه وأبيه!

 

عندما تقف على قدميك مرة أخرى كل ما عليك فعله هو أن تحتضن من بقي حولك رغماً عن كل الظروف أحتضن كل الذين تمسكوا بك وصنعوا لك الحب والأمل عانقهم وانطلق دون أن تلتفت ورائك لكي لا تبقى في دائرة الخذلان ولا تنسى أن تأخذهم بحضنك إلى أعالي السماء لأنهم شركاء لك بالحياة فهم الذين منعوك يوما ما من الانتحار ومنعوك من أن تفقد الأمل في هذه الحياة وهم الذين تمسكوا بك رغماً عن ظروفهم القاسية ورغماً عن مجتمعهم وعائلتهم وبيئتهم التي انتقدهم للوقف بجانبي!

 

هؤلاء عانقوهم وأكتبوا عنهم بالإسم أمام الملأ لكي لا تندموا يوما على شكرهم والحديث عنهم فهؤلاء هم الأنقياء الذين لا يتلونون لا يمكنهم أن يكونوا في المنطقة الرمادية بل مكانهم الوحيد بالمنطقة البيضاء الناصعة البياض التي لا تحتمل لونين بل لون واحد هو الحب بدون مقابل ولا يعرف قاموسهم الخذلان. بالنهاية يقول جبران خليل جبران: "الصديق المزيف كالظل يمشي ورائي عندما أكون في الشمس ويختفي عندما أكون في الظلام".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة