السُمر والسمراوات في فيلم "Joker"

فور انتهائي من مشاهدة فيلم Joker للمرة الأولى في إحدى دور العرض (وسط تصفيق غير مألوف من أحد الحضور) انتابني شعور بأنني احتاج لمشاهدته مرة أخرى.. ولا حاجة هنا للحديث عن الأداء الاستثنائي لبطل الفيلم Joaquin Phoenix، ولا عن التصوير السينمائي الذي يأسر الخيال، ولا عن الموسيقى التصويرية التي يرقص الفيلم على إيقاعها، تارة ألما وتارة طربا.. ومع أن أحداث الفيلم تدور في (New York) أوائل الثمانينات، إلا أن المثير للاهتمام أنها قد ترسم في الوقت ذاته ملامح مستقبل محتمل نتجه نحوه جميعا، تزداد فيه الأكثرية الفقيرة فقرا والأقلية الثرية ثراءً، إلى حد من التراكم يودي للانهيار.

 

وتجسد شخصية المهرج المبتلى في عقله Arthur Fleck – وهو رجل أبيض طرحته المنظومة أرضا ثم ركلته تباعا نحو الهاوية – تبعات غياب الرحمة من مجتمع أضحى التراحم فيه أندر من لبن العُصفور. غير أنه لفتني كغيري كثرة السُمر في عالم هذا المهرج الفاشل الذي كثيرا ما يَضحك قهرا ولا يُضحِك.. وكما تهكم البعض فإنك لا ترى هذا الكم من الشخصيات ذات البشرة الداكنة في عالم Batman السينمائي كله، والذي جاء فيلم Joker قصة لأصله. ولكن قبل أن نتناول هذا الجانب المثير للفضول، علينا أن نتذكر أن Arthur الذي تدور أحداث الفيلم من منظوره حصرا، هو راو غير موثوق به؛ إذ أن رؤيته للأحداث، كما يتبين في النصف الثاني من الفيلم، يختلط فيها الواقع بالخيال لدرجة أن بعضها أو جلها، أو حتى كلها، قد لا تكون إلا تخيلات في ذهنه.

 

ومهما يكن من أمر فإن مما لا شك فيه أنه ثمة فكر في جنون Joker وثمة أفكار لدى صانعي الفيلم – منها أنه لا يَقتل إلا من يرى أنه قد آذاه بصورة من الصور.. غير أننا نفهم مباشرة من طريقة تعامله مع السُمر من حوله أنه أبعد ما يكون في نفسه عن العنصرية، بل على النقيض من ذلك نراه يلتمس العذر لمراهقين تشوبهم سمرة (يشبهون العرب) اعتدوا عليه بالضرب، على أنهم مجرد أطفال، لا حيوانات كما وصفهم أحد زملائه في العمل. لكن هذا لا يمنع، على الرغم من معاناته المعيشية والنفسية العميقة، أنه يتحرك في فضاء امتياز البيض أو white privilege كما نوه بعض النقاد؛ وعندما يُحرَم Arthur ثمرات هذا الامتياز من قِبل رموز في المنظومة الاجتماعية أنزلهم منزلة الأب قبل أن يضطهدوه، مثل رجل الأعمال الثري Thomas Wayne الذي عملت والدته عنده في شبابها، فإنه يفتح أبواب الجحيم على مصارعها.

 

يظهر Arthur Fleck وجها لوجه في حوارات مع أربع نساء فقط عدا أمه، كلهن سمراوات. فهناك السيدة في الحافلة التي تزجره عندما يداعب ولدها الصغير. وهنالك السيدتان اللتان نراهما تباشران علاجه النفسي في مرحلتين مختلفتين بطريقة مِهنية يشوبها شيء من البرود. وهناك جارته الحسناء التي تحنو عليه وتضحك لنُكته وتبادله المحبة – على الأقل في مخيلته. أضف إلى ذلك موظف الأرشيف في المستشفى الذي يدرك في حوار مقتضب معه خطورة وضعه النفسي.. أحد التفسيرات التي تم طرحها لهذا الكم من الوجوه السمراء هو أنها محاولة لإضفاء مزيد من الإقناع على معاناة Arthur – بطريقة لا تخلو من انتهازية – بإحاطته بشخصيات يرتبط لون بشرتها سلفا لدى المشاهد (الغربي) بالمشاكل!

 

لكن الفيلم ربما أراد أن يصور واقعا يستوي فيه فقراء البيض والسود في معاناتهم، فالمصائب يجمعن المصابينا. وكما أخبرَت Arthur السمراءُ التي كانت تتابع علاجه قبل أن تغلَق برامج الرعاية الاجتماعية برمتها: إنهم لا يأبهون بأمثالك ولا يأبهون بأمثالي.. أما الواقع على الأرض هو أن امتياز البيض – في المجتمعات الغربية وغيرها – أصعب على المنتفعين أن يروه من الهواء الذي نتنفس.. فيالها من مفارقة عندما يقول Arthur لإحدى السمراوات الأربع اللاتي لا نعرف لأي منهن اسما: لن تفهمي أبدا..



حول هذه القصة

تتقاطع “ثورة” الجوكر الانتقامية مع بلوغ الغضب الشعبي أوجه في “غوثام” لتنفجر المدينة في ثورة أشعلها انتقام الجوكر، ضد من ظلمها واستغلها وهم الأقلية الثرية المتحكمة في مفاصلها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة