ليس حبا في حزب الله!

خلقت عملية حزب الله الأخيرة لأول مرة صداعا حادا لدى لفيف من مناهضي الحزب في الشارع العربي والإسلامي بعد أن انفرط عقد الإجماع الجماهيري حول التضامن معه الذي كان ينعقد في كل معاركه التي خاضها من قبل ضد الاحتلال الصهيوني. حديثنا هنا لا يتعلق بالأقلية المنسجمة مع نفسها الرافضة لفعل المقاومة من ناحية المبدأ والتي كانت تبرر موقفها تجاهه بقناعتها بضرورة التصالح مع الكيان الصهيوني وبعبثية مواجهة آلته العسكرية الجبارة المدعومة دوليا، لذلك كانت تعادي حزب الله وتعادي أي فصيل مقاوم غيره، لكننا نقصد القطاع العريض من الشعوب العربية والإسلامية الذي كان يوما ما مساندا للحزب والذي ما زال يؤيد المقاومة في جبهات أخرى أولئك الذين شكل لهم هجوم حزب الله على مدرعة إسرائيلية إرباكا وإحراجا كبيرا.

فهم حاولوا، في السنوات الماضية، أن ينزعوا من الحزب شرف المقاومة بعد تورطه في المستنقع السوري، وما دعم توجههم هذا الهدوء الذي طبع جبهة الاحتلال منذ 2006 في مقابل الحرائق التي ساهم في تأجيجها في أماكن أخرى، ليؤكدوا فكرتهم عنه بتخلي الحزب عن المقاومة، بل إن منهم من بالغ في ردة فعله لينسخ كل تاريخه بأثر رجعي، فيقرر أن مقاومة الحزب من بداياتها إلى الآن لم تكن إلا تمثيلا في تمثيل ومؤامرة محبوكة بعناية من طرف قوى الاستكبار العالمي لتلميع حلف الأقليات على حساب الأمة.

أية مواجهة للطرف الصهيوني مع أي طرف كائنا من يكون ينبغي أن تكون محسومة ضد الطرف الأول، فلا مصلحة لنا في شق الإجماع حول القضية الفلسطينية التي توحد شعوب أمتنا ومختلف قواها الحية

هذه الصورة التي تم رسمها عن الحزب لم تكن دقيقة، فالبعد المقاوم وإن توارى عن الحزب في الفترة السابقة إلا أنه لم يختف تماما، والحزب وإن لم ينخرط في مواجهة مباشرة ضد الجيش الصهيوني إلا أن عملية إعداده وتعبئته لها مستمرة، مما يعني أن احتمال الاشتباك المسلح يظل قائما في أية لحظة وإن بشكل محدود، لا سيما أن هذه القضية ذات بعد عقائدي عند حزب الله، وتاريخ صراعه مع الصهاينة أنصع من أن ينكر بدليل تلك التضحيات الفادحة في صفوف قواعده وقياداته وحاضنته الاجتماعية التي لم تُقدم من أجل لعبة أو مسرحية هزلية مثلما يتصور البعض. المثير أيضا هو استعارة منطق أنصار التسوية، ففي سبيل الانتقاص من أثر مقاومة حزب الله يلجأ البعض إلى ترديد نفس الأسطوانة التي كانت تشتغل سابقا لضرب كل المقاومات بنفس الأسلوب وذات النغمة، وهم لا ينتبهون أنهم وهم يهاجمون الحزب يهاجمون كذلك بشكل غير مباشر كل الحركات التي يساندون مقاومتها.

مشكلتنا هي طغيان النظرة الأحادية في مقاربتنا للواقع السياسي وميلنا التلقائي للتعاطي مع كل الملفات الساخنة كحزمة واحدة، فإما أن تكون كل مواقفك حولها مبدئية ومثالية، وإن شذت البعض منها تضرب بقية المواقف. هذه النظرة مريحة لكنها لا تفسر الواقع بالغ التعقيد، فليس كل من يؤمن بالمقاومة في فلسطين أو يدعمها سيكون طاهرا بالضرورة وكاملا لا نقص فيه، طبعا يسرنا أن نرى ذلك متجسدا في قضيتنا المقدسة لكن المشهد ليس بهذه البساطة.

هذا الواقع يفرض تعاملا مختلفا مع حزب الله، لا نقصد هنا أن يتم الصفح على جرائمه في سوريا، لكن المطلوب هو تجنيب القضية الفلسطينية تلك المواقف الكيدية المختلة ليس حبا في الحزب أو تبييضا لصفحته ولكن إحقاقا للحق وصيانة لمبدإ المقاومة، حيث أن أثر هذا المنطق على الصراع مع الصهاينة مدمر، فحين يتمنى بعضهم أن يأتي الكيان الصهيوني ليأخذ له حقه من الحزب أو أن يساوي بين طرفي المعركة، فهو عمليا قد فتح خرقا واسعا للتطبيع مع الكيان العبري وكسر الحاجز النفسي تجاهه، وهذه هي المقدمات التي أدت في وقت مضى باليمين المسيحي المتطرف في لبنان وببعض الاتجاهات الكردية وبغيرها، نتيجة لممارسات عدد من المحسوبين في صف مواجهة المحتل الصهيوني الخاطئة تجاههم، إلى الارتماء في الحضن الصهيوني، وهو ما يُخطط له اليوم لكن هذه المرة يتجاوز الأمر بعض الأقليات ليشمل جمهور الأمة بكليته.

إن أية مواجهة للطرف الصهيوني مع أي طرف كائنا من يكون ينبغي أن تكون محسومة ضد الطرف الأول، فلا مصلحة لنا في شق الإجماع حول القضية الفلسطينية التي توحد شعوب أمتنا ومختلف قواها الحية، لذلك فإن انخراط حزب الله في أية حرب مع الكيان المحتل سيعيده لساحة المواجهة الرئيسية ويعيد استخدام سلاح حزب الله في مكانه الطبيعي وينهي مرحلة بطالة جناحه العسكري، حيث أن بطالة المقاتل غالبا ما تحول سلاحه إلى سلاح "بلطجة" و"زعرنة" واعتداء على العباد وممتلكاتهم. وهو ما حدث اليوم بخلاف ما كان عليه الحال زمن الحرب الأهلية اللبنانية، حين شغلت الحزب مقاومته عن الانخراط في تلك الحرب حيث كان أقل الأطراف تورطا فيها.

مصلحتنا إذا تكمن في عودة حزب الله لوجهه القديم وتغليب همه المقاوم على أحقاده الطائفية، أما الخائفون من إعادة تلميع صورته بتجديد عهده مع المقاومة، فليعلموا أن مواقفهم الحالية التي لا تقدم ولا تؤخر ولا تغير من الواقع شيئا والتي تجاهر بعدائها له في اشتباكه مع الصهاينة تزكيه وتعطيه قيمة أكبر وتسيء إليهم فتجعلهم في ذات الخندق مع المحتل الصهيوني.



حول هذه القصة

ما لم يدركه حزب الله، أنه لم يعد بإمكانه إلزام بقية اللبنانيين وشرفاء العالم بالتضامن معه في كل معركة يخوضها، فمعاركه لم تعد مفهومة، ولم تعد تهدف لتحقيق مصلحة لبنان.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة