عندما غابت الحكمة اليمانية حضرت الحماقة الإماراتية!

في أقل من أسبوعين قتل ما يقارب من الـ 500 شخص في اليمن، الملفت في الأمر أن هؤلاء لم يقتلوا من قبل من كان يفترض أنه عدوهم في الطرف الأخر من الحرب الدائرة اليوم في اليمن، بل قُتلوا على يد حليفهم وشريكهم فيما يسمى بتحالف دعم الشرعية! وتحديداً الإمارات والسعودية، بغارات جوية استهدفت إحداها سجن تابع للحوثيين كانوا يحتجزون فيه المئات من الأسرى والمعتقلين التابعين للحكومة الشرعية، وبعدة غارات أخرى استهدفت رتل عسكري يتبع أيضا الحكومة الشرعية. تحالف دعم الشرعية يقصف ويقتل العشرات من قوات الشرعية.! جملة غريبة، تعكس شدة الغرابة الحاصلة على أرض الواقع في اليمن. هذه هي حقيقة الحرب في اليمن، وهذا هو العبث الحاصل منذ ما يقارب الخمس سنوات والذي للأسف يدفع ثمنه الآلاف من اليمنيين الأبرياء الذين لا ناقة لهم وجمل في كلما يحدث اليوم.

 

في مطلع العام 2015، اندلعت الحرب في اليمن، بعد أن انقلب الحوثيين على الشرعية في اليمن وسيطروا بالقوة على العاصمة اليمنية صنعاء ومدن يمنية أخرى، على إثر هذا الانقلاب تدخلت السعودية وشكلت تحالف ضم دولاً عربية على رأسها وأهمها دولة الإمارات العربية المتحدة. شن هذا التحالف حرباً ضد الحوثيين ودعماً لعودة الشرعية في اليمن، بعد سنتين تقريباً من هذا التدخل استطاع التحالف بالفعل تحرير عدداً من المدن اليمنية التي كان الحوثيون قد احكموا سيطرتهم عليها، لكن اللافت للنظر أن هذه المدن التي تحررت من قبضة الحوثيين لم تعد لها الشرعية على ارض الواقع وسيطرت عليها قوات ومليشيات تتبع جهات مختلفة لا علاقة لها بالشرعية من قريب أو بعيد.

 

متى يعي اليمنيون، أن استمرار هذه الحرب لن تجلب لهم سوى مزيد من التفكك والخراب والدمار الذي سيعم الجميع بلا استثناء، وأن الحل الوحيد هو الحوار

فريق الخبراء البارزين الدوليين والإقليميين بشأن اليمن الذي شكّله مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، نشر مؤخراً تقريراً أكد فيه استمرار اليمن في انزلاقه نحو كارثة إنسانية واقتصادية. وأشار إلى أن البلد لازال ممزقاً بشدة، مع تزايد وجود الجماعات المسلحة والفساد المستحكم، ما فاقم آثار النزاع المسلح على اليمنيين داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والمحافظات المحررة على حد سواء. وذكر أن انعدام المصالح المشتركة داخل التحالف ضد الحوثيين يفاقم تقسيم البلد. فعلى الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزته حكومة رئيس اليمن، عبد ربه منصور هادي، وشركاؤها في التحالف في الميدان ضد قوات الحوثيين، فإن هدف استعادة سلطة الحكومة في جميع أرجاء اليمن لازال بعيد المنال، والسبب في ذلك هو استمر ظهور قوات ومليشيات موازية للدولة وأغلبها أقوى حتى من القوات الحكومية الشرعية التابعة للدولة.

 

وخلص تقرير الخبراء إلى أن حكومات اليمن والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وكذلك الحوثيين واللجان الشعبية التابعة لهم، قد استفادوا من غياب المساءلة حول انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وقاموا بارتكاب مجموعة من جرائم الحرب المحتملة خلال السنوات الخمس الماضية، من خلال الغارات الجوية، والقصف العشوائي، والقناصة، والألغام الأرضية، فضلاً عن القتل والاحتجاز التعسفيين، والتعذيب، والعنف الجنسي والجنساني، وإعاقة الوصول إلى المساعدات الإنسانية في خضم أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

 

واقع الحال اليوم في اليمن، يؤكد على أن كل الدول الداعمة لمختلف أطراف الحرب في اليمن، لا تريد إنهاء الحرب في مرحلة يكون فيه اليمن قوي، موحد، مستقل يملك قراره بيده، لذلك عملت هذه الدول على التحكم في مجريات هذه الحرب لتخدم مصالحها في المقام الأول، فعملت على تصعيد القتال في المناطق التي يشكل التقدم فيها فائدة لها وتخدم مصالحها الاستراتيجية التي من اجلها تدخلت في هذه الحرب، وعملت على تجميد القتال في مناطق أخرى، يشكل التقدم فيها خطر على مشروعها التي خططت له في اليمن، بل في كثير من الأحيان، إجبار حليفها في الحرب على وقف القتال بالقوة، وخلقت ما يشبه توازن قوة بين طرفي الصراع، يضمن لها الكلمة العليا والسلطة المطلقة، ويحافظ على استمرارية الحرب أطول مدة ممكنة.

 

حصل هذا الأمر في محافظة تعز، التي منع عنها التحالف أي دعم عسكر وأوقف تقدم القوات المدعومة من قبله على مشارف المحافظة، التي كان باستطاعتها حسم المعركة بأقل الخسائر، بل وقصفت طائرته بعض المواقع التابع لحليفه في الشرعية اليمنية بحجة أن هذه الغارات الجوية كانت عن طريق الخطاء- وهو ما تكرر، بالمناسبة، في نهم والجوف ومدن يمنية أخرى- ، ما تسبب بحرب شوارع دمرت المدينة، واستنزفت الكثير من دماء أبناء تعز وممتلكاتهم، وأيضا في الحديدة، ومدينة نهم القريبة من صنعاء، ومؤخراً ما حصل في عدن وأبين بعد أن استهدف طيران دولة الإمارات قوات تابعة للشرعية كانت في طريقها إلى عدن وأخرى كانت في أبين بعدة غارات جوية خلفت المئات بين قتيل وجريح.

 

متى يعي اليمنيون، أن استمرار هذه الحرب لن تجلب لهم سوى مزيد من التفكك والخراب والدمار الذي سيعم الجميع بلا استثناء، وأن الحل الوحيد، خصوصاً في ظل التطورات الأخيرة الحاصل في عدن والجنوب، هو الحوار والجلوس على طاولة يقدم فيها كل طرف من أطراف النزاع الدائر اليوم، التنازلات المطلوبة لإنجاح هذا الحوار. ما عدا ذلك، فان هذه الحرب ستستمر في استنزاف الجميع شمالاً وجنوباً وسيتعمق الشرخ وتتسع رقعة الصراع. ليبقى السؤال المطروح دائماً، متى تحضر الحكمة اليمانية التي لطالما عُرف بها الإنسان اليمني، والتي ساهمت إلى حد كبير، في مراحل عديدة من التاريخ اليمني، في الحفاظ على اليمن، وجنبت أهله الكثير مما أصاب غيرهم من سوء.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة