أن نسرق الحياة بالقوة

حين نمتلأ بأسباب الرحيل، ويتراكم علينا اليأس والإحباط، نترك كل شيء يمضي، دون أن نعير الأمر أدنى اهتمام، لقد علمتنا الحياة أن نفعل ذلك، وأن لا نكترث لمن لا يستحق، وأن ندفع بالماضي نحو النسيان، وعلمتنا أن نعتني بالحاضر وأن نعيشه على نحو ممكن، وعلمتنا أيضا أن نقف على الجمر دون طلب النجدة. تعلمنا الحياة أن نأخذ بالقوة ما نريد، لم نتعلم أن نترجى أو نطلب أحدا يمسح دموعنا، لم يكن سهلا أن نتعلم من الحياة أن نكون أقوياء، ونكتفي بمن نكون، تَعلمنا منها مبكرا أن نتكبر على المتكبرين، وأن نتواضع مع المتواضعين، تعلمنا أن نمارس الحياة بواقعية، وأن نتوقع منها الأسوأ دائما، وتعلمنا أن لا نثق في العلاقات الإنسانية خصوصا في لحظة البدايات، كما تعلمنا أن لا نغامر بمشاعرنا بسهولة، وأن نتوقع الخذلان ممن يُستبعد منهم ذلك، تعلمنا أن لا نفرط في الاهتمام وأن نحبسه عندما يحين الوقت، وتعلمنا أن لا نأخذ الناس على محمل الاهتمام، وأن نمارس من نشتهي وفق ما تقبله عقولنا، وتعلمنا أن لا نؤذي الآخرين، وأن نفعل ذلك دفاعا عن النفس فقط، لقد علمتنا الحياة أن البقاء يكون دائما للأقوى، وبالقوة تؤخذ الحياة، وما عدا ذلك لا يليق بمن وجد نفسه يؤمن بالقوة.

 

نحن أقوى من أن تذمرنا الحياة، وأقوى من أن يدوس علينا الأخرون، وأقوى من أن نطلب الرحمة، تعلمنا أن نثق في أنفسنا، لأن هذه الثقة هي مصدر قوتنا، تعلمنا أن نختلف في طقوس حياتنا، لم يكن هينا أن ننسحب من تلك الحياة المملة التي طالما ندفع إليها، لم نكن نبالي بكل ما يشغل الأخرين، كنا دائما مختلفين في طبيعة نظرتنا وتفكيرنا، وتعلمنا أن نأخذ الحياة على محمل العبث، وأن نصنع من المعاني ما يناسب ويتوافق مع ما يشعرنا بالحياة، وبقدر ما كانت الهموم تحاصرنا، قررنا أن ندوس عليها، وأن لا نعيرها أكثر مما تستحق، وأن نمضي قدما، طلبا للمزيد، فما سيحصل، سيحصل، كنا نعلم أن الأمور لا تستحق أن نتذمر لأجلها، كل شيء سيمضي، ولا شيء يستحق أن نتألم لأجله، بما في ذلك الناس، لن ترحمك الحياة إذا كنت حساسا زيادة عن اللزوم، أترك العالم يتألم، وامض بعيدا، وابحث عن نفسك، واصنع بنفسك ما تشاء.

 

ليس هناك ما يدعو إلى الأمل في هذه الحياة، وليس من الحكمة أن نملك رصيدا كبيرا منه، ذلك أن الحياة تُصنع في عقول المتشائمين، لأنهم يؤمنون أن ما نريده نخلقه، ولا معنى لذلك الأمل الذي نزين به إخفاقاتنا

نتدرب على إفراغ ذاكرتنا مما يعكر مزاجنا، لأننا أدركنا بعد عدة تجارب، أن المزاج لا ينبغي أن نتركه يتعكر سواء بسبب الأشخاص أو الأحداث، نحب ذواتنا أكثر من أن نسمح للأخرين بأن يدفعونا إلى ما لا نشتهي، نحاول تدريب ذاكرتنا على فن النسيان، لا نترك فيها إلا ما يُذكّرنا بلحظات الجمال ونترك فيها بعض الحنين، إلى من يستحقون أن نشتاق إليهم وإلى اللحظات التي تجمعنا بهم، أم الباقون فلن نطلب من الرب أن يغفر لهم. ورغم أن هناك أمور تستعصي على النسيان، إذ بقدر ما نرغب في نسيانها نتورط فيها أكثر، إلا أننا نحاول أن لا نكترث للأمر، وأن نصنع ما يُنسينا في كل ما تتحمله ذاكرتنا من أحزان. نطمح دوما أن نصل إلى الأعالي، نعم هي بعيدة، لكننا لن نتوقف، سوف نستمر، وسوف نتألم، لكننا نُدرب أنفسنا على القوة، لأننا تعلمنا أن ما لا يؤخذ بالقوة، لن يؤخذ بسهولة.

 

نتدرب على البحث عن الصواب، وأن ننظر إلى اليقين بعيون نسبية، هناك أمور تتغير مع الوقت، وكثيرة هي تلك القناعات التي لم تكن أكثر من سجن نحبس أنفسنا فيها، نؤمن أن ما نؤمن به اليوم قد يتغير في أية لحظة، لم يكن المطلق يشغل بالنا، ولم نربي ذواتنا على المستحيل، وحتى الخيال لم نكن نأخذه على محمل الصواب. نتساءل دوما عن حدود العقل، ربما هذا العقل قد يتمكن من المستحيل، تعلمنا أن ندقق في التفاصيل، وأن لا ننجر خلف التفاهات، وأن نهتم بما يُشعرنا بأننا نفكر ونبحث عما يبدو لنا دوما نسبيا إلى أبعد حد، نفعل ذلك، لكي لا نقف مكتوفي الأيدي، ونكتفي بالمشاهدة، وُجدنا في الحياة لكي نشارك فيها بكل جرأة، لا لكي نتفرج، تأخذنا تساؤلاتنا أبعد مما كنا نتوقع، تجاوزنا جميع الحدود، لم يكن سهلا أن نصبح هكذا، لكننا نعتقد أن اللعبة قد انكشفت أمامنا، فصرنا لا نأخذ الأمور على محمل الاهتمام، نحاول فقط أن نكون ما نريد وأن نمارس حياتنا كما نشتهي.

 

نؤمن أن البحث عن الآخرين لن يسعفنا في شيء، وندرك بيقين أنه من المحتمل أن نتلقى الأذى منهم، ولهذا نبتعد عنهم، في سبيل البحث عن الذات، وتحقيق الذات هو ما نطمح إليه، لم نكن ننشغل بالآخرين بتاتا، لأن ذلك ليس له أي معنى، والمعنى نصنعه عندما ننشغل بذواتنا، وأن نطمح أن نكون أفضل مما نحن فيه، وأن نتغير نحو الأحسن، وأن نقوي نقاط قوتنا، وأن نذيب ونخفي نقاط ضعفنا، هذا لأننا نؤمن بأن الحياة تُصنع بالقوة، أما انتظار الشفقة أو منحها فذلك ليس له أي معنى، فلنشفق على ذواتنا إذا لم نقدر على العيش بقوة، ولنتخلى عما يدربنا على الضعف، لأننا في هذا الحياة نحتاج أن نتدرب على القوة، نحن في أمس الحاجة إليها، لأنها هي سبيلنا لنكون ما نريد، ولنبتعد عما يجعلنا نأخذ التفاهات باهتمام وشفقة، فلنتعالى على التفاهات التي لم يعد لها أي معنى، إنها تضعفنا وتلهينا عما يجدر بنا أن ننغمس فيه، وتوهمنا بأمل زائف لن يغير شيئا من اللعبة.

 

ليس هناك ما يدعو إلى الأمل في هذه الحياة، وليس من الحكمة أن نملك رصيدا كبيرا منه، ذلك أن الحياة تُصنع في عقول المتشائمين، لأنهم يؤمنون أن ما نريده نخلقه، ولا معنى لذلك الأمل الذي نزين به إخفاقاتنا، ولا معنى له عندما يدفعنا إلى المزيد من الانتظار، وانتظار المجهول، لا معنى لذلك التفاؤل إذا لم نقدر على اقتحام الحياة، والمعنى هو ما نصنعه بكل إرادة وقوة، لم يعد الأمل حلا أمام ما يسكن الحياة من خراب، الأمل هو ما نصنعه في لحظات الانهيار، وما نرتكبه من أجل ذواتنا التي تكبدت عناء الحياة، والأمل هو أن ننطلق صوب الممكن بكل قوة، والأمل هو أن نصارح ذواتنا بأنه لن يكون غير ما نريد، وغير ما نجتهد للحصول عليه، لا نحتاج أن نتوهم أمورا فوق طاقتنا، أو أن نكذب على ذواتنا فيما لا نستطيع إليه سبيلا، والحق أن ما نريده نستطيع أن نصل إليه، وما لا نستطيع أن نصل إليه لا داعي أن نتفاءل به، فالأمل هو العدو الأكبر للإنسان، لأنه يدفعه لانتظار مجهول، في الغالب لن يأتي.

 

نحن العبثيون العدميون المريضون بالحياة، نؤمن بأن الحياة تؤخذ بالقوة، ونؤمن أن الحياة ليس لها أي معنى، بل المعنى هو ما نصنعه، وما نخلقه عندما نريد، لقد أدركنا متأخرا سذاجة نظرتنا إلى الحياة، لم يكن من الحكمة أن نرضى بالبساطة، تلك التي يمكن أن نجد فيها بعض الهدوء، يبدو أن الحياة لا تعترف ببساطتنا، لابد أن نشعر بوجودنا بكل قوة، وأن نمارس من القوة ما يمكن أن يسعفنا لنتعالى عن الوجود المبتذل، وذلك من أجل خلق وجود يستحق أن نفتخر به، عندما نقترب من الرحيل إلى العدم، لم يكن من الحكمة أن نتقبل ما نحن فيه، لقد أدركنا أن الشر متأصل في هذا العالم، ولا معنى لما يسمونه خيرا في ظل هذا الخراب الذي نحاول أن نتكيف معه، لهذا وجدنا ضالتنا في الاحتجاج على غياب الخير، ألم يكن هذا العالم يستحق أن نعيش فيه بسلام، أم أن الصدفة جعلتنا نصل إلى هذا العبث؟ الحياة تُبنى بالقوة، والبقاء في الغالب يكون للأقوى. تقول الكاتبة لو أندرياس سالومي: لن تمنحك الحياة أي هدية، صدقني. إذا أردت أن تكون لك حياة اسرقها.



حول هذه القصة

الحبّ كما السيف مخير بين وصلٍ وقطعٍ أو بين لقاء وفراق، فإن كان اللقاء كانت السعادة، وإن كان الفراق تحول إلى جمرٍ يكوي قلوب المحبين كيًّا فيصبح الحب موتًا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة