أنهكته الديون وتغول القطاع الخاص.. ماذا يحصل للاقتصاد العالمي؟

نشهد في الفترة الأخيرة اهتماماً إعلامياً لافتاً بأخبار الاقتصاد العالمي رغم أن النشرات والصفحات الاقتصادية في الوسائل الإعلامية لا تثير إلا اهتمام القلة ممن له علاقة في الأمر مقارنة بالكثرة غير المهتمين. ومما يثير الدهشة أن الاقتصاد يمس في أهميته كل البشر دون تمييز إلا أن النشرات الاقتصادية يغلب عليها طابع لغة "الطلاسم" بالنسبة لغير المختصين، والتحليل السطحي بالنسبة للمختصين. أسعى في هذه المقالة إلى توضيح بعض الأمور التي من شأنها تبسيط فهم ما يحدث في الاقتصاد العالمي وذلك في خطاب موجه لغير المختصين، من جهة، و"تعقيد" فهم الأمر على المؤمنين بأن فهم الاقتصاد لا يكون إلا من خلال تحليل الأرقام بالإضافة إلى المنشغلين بالتحليل الآني فضلاً عن التاريخي، من جهة أخرى.

سطحية تفسير تباطؤ كبريات الاقتصادات العالمية

سجل الاقتصاد الأمريكي والصيني والألماني والبريطاني تباطؤاً في النمو الاقتصادي في الربع الثاني من العام الحالي. بمعنى أن تلك الاقتصادات لم تحقق نمواً في الناتج المحلي الإجمالي. هذا التباطؤ أدى إلى تخوف المستثمرين في الأسواق المالية من أنه لو حصل تباطؤ في الربع التالي من السنة، فهذا يعني دخول الاقتصاد في حالة من الركود. ويتخوف المستثمرون من الركود لسببين رئيسين: أولهما أنه يستمر لفترة قد تمتد من ١٨ إلى ٤٦ شهراً؛ وثانيهما، أنه خلال فترة الركود يتم فقد الكثير من الوظائف وتقل القدرة على الإنفاق من قبل غالبية الناس. وقد خلق توقع الركود في الاقتصاديات الكبرى إلى خلق حالة من عدم التأكد لدى المستثمرين في الأسواق المالية مما حدا بهم إلى سحب استثماراتهم في الأسهم والسندات قصيرة الأجل لتوجيهها نحو استثمارات أكثر أماناً. هذا هو الوصف المبسط والسائد لما تتناوله غالبية وسائل الإعلام في الوقت الحالي. لكنه وصف، وإن كان دقيقاً في آنه، إلا أنه بعيداً عن ملامسة حقيقة ما يحدث. بمعنى آخر، أنه وصف لأعراض المرض وليس المرض بحد ذاته. وهذا حالنا في تشخيص الاقتصاد الآن، نركز على تباطئه وننسى تاريخه الذي أدى إلى ما هو عليه الآن.

تعاظم الدين العالمي وفوائده عبر الزمن
الطامة الكبرى فتكمن في سوق المشتقات المالية وحجمها البالغ ٥٤٢ تريليون دولار. هذه الأسواق تستند إلى أدوات تصمم بطريقة أنه لا بد لأحد أطراف العملية أن يخسر. بمعنى أنها أدوات تداول توصف بأنها لعبة ذات مجموع صفري

تفيد الإحصاءات بأن إجمالي الدين العالمي بلغ ما يقرب من ٢٤٤ تريليون دولار في العام ٢٠١٨. ورغم أن هذا الرقم الفلكي بحد ذاته مشكلة كبيرة، إلا أن المشكلة الأعظم تتمثل في كون الناتج الإجمالي العالمي بلغ ٨٥ تريليون دولار في ذات العام. بمعنى أن إجمالي الدين يفوق إجمالي الإنتاج بما يقرب من ثلاث مرات، أي أن العالم يحتاج أن ينتج لمدة ثلاث سنوات دون أن ينفق بتاتاً حتى يتمكن من سداد الدين. لكن الأمر ليس بتلك البساطة، لأن العالم يحتاج إلى الإنفاق من جهة، وأن الدين يتعاظم من جهة أخرى لسببين: الاستمرار في الديون، وتعاظم الفوائد. إن هذا الخلل بين الإنتاج الفعلي وحجم الدين العالمي هو أحد أهم الأسباب المؤدية إلى الأزمات الاقتصادية المتعاقبة. وهو من أهم أسباب الإجراءات التقشفية والازدياد المطرد بالضرائب التي تتبعها معظم دول العالم. وقد انعكس هذا النمط العالمي على سلوك الأفراد الذين أصبحوا يلجؤون للديون لتلبية متطلباتهم غير الأساسية مقارنة مع ما يحققونه من دخل. فانتشرت الأمراض الاجتماعية المتعلقة بالإنفاق المترف وتصنيف الاحتياجات المترفة ضمن المتطلبات الأساسية للعيش في هذا الزمان.

الأسواق المالية، أسواق المشتقات، ووهم الثروة

بلغت القيمة السوقية للأسواق المالية حوالي ٦٨ تريليون دولار في العام ٢٠١٨، في حين بلغت القيمة السوقية لأسواق المشتقات ما يقرب من ٥٤٢ تريليون دولار. ولعل هذه الأرقام قد توحي للمتوهمين أن هناك حجم ثروة طائلة على هذه الكرة الأرضية يمكنها أن تغطي حجم الدين العالمي. لكن من المهم أن نعرف أن الأسواق المالية، وإن كانت تعطي مؤشرات آنية عن صحة الاقتصاد، إلا أنها لا تعبر عن حقيقته بشكل مطلق. فغالبية التعاملات في الأسواق المالية تتم بآليات تستند إلى الدين. وهذا يعني أن التعاملات في الأسواق المالية لا تعكس الاستثمار المستند إلى نقل الأموال من الفوائض إلى الاحتياج، وهي الآلية النظرية التي من المفترض أن تبرر وجود الأسواق المالية، بل تعكس على الأغلب أحجام تعاملات مضخمة بسبب الأدوات المستندة إلى الديون. كما أن تداول الأسهم بأموال مستدانة سيؤدي إلى تضخيم الأسعار بعيداً عن مستوياتها الحقيقية.

أما الطامة الكبرى فتكمن في سوق المشتقات المالية وحجمها البالغ ٥٤٢ تريليون دولار. هذه الأسواق تستند إلى أدوات تصمم بطريقة أنه لا بد لأحد أطراف العملية أن يخسر. بمعنى أنها أدوات تداول توصف بأنها لعبة ذات مجموع صفري: إن ربحت أنا فيجب أن تخسر أنت. وهذا هو المفهوم الأولي للقمار. وما يثير السخرية أن تلك الأسواق تستخدم لما يسميه المختصون بالـ"التحوط" والذي تمارسه كبريات المؤسسات المالية والاستثمارية. وما التحوط إلا صورة "جميلة" للمقامرات. وهذا يقودنا لسبب أخر من أسباب الأزمات الاقتصادية التي تواجه العالم وهي غياب عدالة التوزيع بين العائد والمخاطر.

اختلال التوزيع العادل للعائد والمخاطرة
بدأت العديد من مراكز الأبحاث العالمية في أمريكا وأوروبا بتنبؤ سيناريوهات لشكل الاقتصاد العالمي في حقبة ما بعد النيوليبرالية والتي من الممكن جداً أن تكون حقبة شعبوية

من أهم مرتكزات نظرية التمويل الحديثة أنه كلما زادت المخاطر ترتفع العوائد. ولعل المخاطر المقصودة هنا هي المخاطر المدروسة، وليست التعاملات المتهورة. وهذا بحد ذاته يعطي فكرة قد تكون جميلة على الورق لكنها قبيحة جداً في الممارسة. لأن ممارسة التمويل والاستثمار اليوم تقوم على تعظيم العائد وتحويل المخاطرة. بمعنى أن تعاملات النظام المالي العالمي يفتقر إلى عدالة توزيع المخاطر بما يتوافق مع العوائد. فالكل يريد أن يربح لكن مع تحويل المخاطر إلى طرف آخر. ربما يظن البعض أن تحويل المخاطر ضرب من الذكاء، لكنه على المستوى الكلي يؤدي إلى اختلال التوازن بين الربح والمخاطر، وبين من يتحمل المخاطر وبين من يربح. ولنا فيما حصل بسوق الرهن العقاري الأمريكي مثال واضح على ما أرنو إليه. فقد اقرضت البنوك الناس على نطاق واسع دون النظر بشكل جدي إلى مدى قدرتهم على السداد. وقد احتمت البنوك بشركات التأمين لكي تتجنب مخاطر عدم السداد. ولما وقعت الواقعة، أعلنت أكبر شركة تأمين في العالم (المجموعة الأمريكية للتأمين) عدم قدرتها على الوفاء، فحصلت سلسلة من الانهيارات في الأسواق المالية.

الشركات ذات المسؤولية المحدودة

من أبرز منجزات النظام الرأسمالي أنه استطاع فصل شخصية الملاك عن شخصية الشركات. وهذا أدى إلى عدم تحمل الملاك لنتائج أعمال شركاتهم. فالشركات لا يحكم عليها بالسجن، وإن حشرت في زاوية سداد الديون تستطيع أن تعلن إفلاسها لتهرب من الدائنين، وإن تورطت بقضايا فساد أو قضايا ذات طابع أخلاقي وقانوني يمكنها أن تغير اسمها وتعيد ترتيب نفسها. لقد أسهمت شخصية الشركات ذات المسؤولية المحدودة المنفصلة عن مسؤولية ملاكها إلى تمادي تلك الشركات في الإفساد وفي شتى المجالات الأدوية والأغذية والإنشاء والتمويل والاستثمار…الخ. وبالمحصلة النهائية فإن أي خسارة تتحملها أي شركة لن تتعدى لتطال أمول مالكي تلك الشركة واستثماراتهم في غير تلك الشركة.

الخصخصة وتغول القطاع الخاص، والشعبوية

بدأت الخصخصة بالظهور في ثمانينيات القرن المنصرم مع تولي المحافظين ريغان وتاتشر زعامة أمريكا وبريطانيا. وتعد الخصخصة من أبرز ما تدعو إليه النيوليبرالية الاقتصادية التي روج لها المحافظون بنجاح حتى أصبحت مقدرات الشعوب الاستراتيجية وغير الاستراتيجية بيد القطاع الخاص. أدى هذا التعاظم في قوة القطاع الخاص إلى تغوله في مفاصل الدول سياسياً واجتماعياً فأصبح يشكل الحكومات ويتحكم في البرلمانات ومجالس الشيوخ. وعلى مر الزمن، ازدادت الهوة بين الفقير والغني، وبدأت الطبقة الوسطى بالتآكل ما أدى إلى تنامي الحركات الشعبوية مثل حركة احتلوا وول ستريت، وحركة السترات الصفراء. وقد ركب السياسيون المتطرفون موجات تلك الحركات فتنامى تواجد الأحزاب اليمينية المتطرفة في البرلمانات في معظم دول العالم. فمم يحكمون الهند والبرازيل إيطاليا ويتنامون في أوروبا ولا ننسى أن من يحكم أمريكا هو الشعبوي دونالد ترمب.

إن هذا الحراك الشعوبي ما هو إلا ردة فعل على المآزق الاقتصادية والاجتماعية التي أحدثتها النيوليبرالية عبر خمسين سنة. وقد بدأت العديد من مراكز الأبحاث العالمية في أمريكا وأوروبا بتنبؤ سيناريوهات لشكل الاقتصاد العالمي في حقبة ما بعد النيوليبرالية والتي من الممكن جداً أن تكون حقبة شعبوية. لكن هذا ليس في مصلحة القطاع الخاص المتحكم في كل شيء، لذلك، سيكون التغيير طويلاً ومؤلماً حد المخاض والوضع لأن القطاع الخاص المسيطر على كل شيء يعمل على إعاقة التغيير، ولأن أمريكا، أم النيوليبرالية، بدأت تفقد هيبتها وقوتها كقطب أوحد للعالم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة