مقاربة بين احتجاجات هونغ كونغ وثورات الربيع العربي

blogs هونج كونج

تتواصل الاحتجاجات الشعبية في هونغ كونغ للأسبوع الثالث عشر على التوالي، ضد مشروع قانون يتيح للحكومة المحلية تسليم مشتبه بهم جنائياً للصين. وقد كان لافتا على مدار الأسابيع الماضية قدرة النشطاء وقادة المظاهرات على تنظيم أنفسم وإدارة العمليات المتعلقة بمواعيد وأماكن الاحتجاجات، إلى جانب المحافظة على الزخم الذي بدأت به الحركات الاحتجاجية، وتحصينها ضد أي محاولة اختراق من جانب الحكومة، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلاً عن السر في تماسك وتعبئة وتنظيم المتظاهرين، مع الحفاظ على البعد السلمي وتجنب الصدام مع عناصر الشرطة خصوصاً في المظاهرات الكبيرة التي تتعدى المليون متظاهر.

ويغذي هذا التساؤل فضولنا كمتابعين عرب، ونحن نذوق ويلات ثورات مضادة أطاحت بما يعرف بثورات الربيع العربي التي اندلعت في عدد من الدول العربية عام 2011، خصوصاً وأن هناك نقاط التقاء كثيرة، يمكن الإشارة إليها، بين ما حدث قبل حوالي ثمانية أعوام في مصر واليمن وسوريا على وجه التحديد، وما يحدث الآن في المستعمرة البريطانية السابقة، والذي يبدو وكأنه مشهد مصغر ومجتزأ من الذاكرة العربية القريبة، ولكن بأدوات أخرى تجيب على السؤال التالي: لماذا فشل مسار ثورات الربيع العربي في منطقتنا بينما قد ينجح في جزيرة هونغ كونغ؟

الشرارة الأولى
يعتبر البعد الأبرز في الحركات الاحتجاجية بهونغ كونغ، وحدة صفوف المتظاهرين وتماسكهم، مع وجود مرجعية واحدة (المعسكر الديمقراطي) مسؤولة عن تنظيم المظاهرات ووضع الخطط والاستراتيجيات

يتشابه المشهدان في الأسباب التي دفعت الشعوب للخروج إلى المجال العام، ففي هونغ كونغ، تسبب مشروع قانون يتيح للحكومة المحلية تسليم مشتبه بهم جنائياً للسلطات الصينية، في إثارة احتجاجات شعبية هي الأكبر في تاريخ الجزيرة منذ إعادتها للبر الصيني عام 1997. حيث اعتبر نشطاء أن مشروع القانون الجديد من شأنه أن يقوض النظام الديمقراطي الذي تتمتع به هونغ كونغ بموجب صيغة "دولة واحدة ونظامان"، وبالتالي كان خروج المتظاهرين للتعبير عن رفضهم لهذا المشروع ومطالبتهم بالإصلاح والتغييىر والحرية والديمقراطية.

أما في المنطقة العربية فقد كان لدى الشعوب، المحكومة بأنظمة ديكتاتورية، من الأسباب ما يفيض عن حاجتها للخروج إلى الشوارع والميادين رفضاً للقهر والذل والظلم، ففي تونس أشعل جسد البوعزيزي المحترق شرارة الاحتجاجات الأولى ضد ممارسات الحكومة التعسفية، وتقاطعت هذه الحرائق مع حرائق أخرى في مصر أشعلها مقتل خالد سعيد تحت سياط أفراد من الشرطة المصرية، لتصل ألسنة اللهب فيما بعد إلى اليمن وسوريا. وقد كان القاسم المشترك بين المتظاهرين المطالبة بإصلاحات في جسم الحكومة إلى جانب رفع سقف الحريات العامة.

ردة الفعل

عربياً، لم تستجب الحكومات العربية لمطالب الشعوب إلا مرغمة كما حدث في تونس ومصر، ولكن سرعان ما أعادت هذه الأنظمة إنتاج نفسها من جديد في إطار ما بات يعرف بالثورات المضادة، لتعود أكثر وحشية من ذي قبل، أما في سوريا فرفض النظام الاستجابة مطلقاً لمطالب الشعب، وعمد إلى استخدام العنف لقمع المتظاهرين، فكانت النتيجة تدمير سوريا وتهجير أكثر من ستين في المئة من سكانها إلى خارج البلاد.

في المقابل، لم تلجأ السلطات المحلية في هونغ كونغ لاستخدام العنف ضد المتظاهرين، حتى أثناء اقتحامهم مبنى مجلس النواب الذي يعتبر أهم المراكز السيادية في الجزيرة، كما أن المظاهرات المليونية التي تخرج نهاية كل أسبوع، لم تسجل صداماً دموياً بين المحتجين وعناصر الشرطة كما حدث في ميدان رابعة بمصر، أو في سوريا حين ألقت قوات النظام البراميل المتفجرة على رؤوس السكان.

إدراة المظاهرات

يعتبر البعد الأبرز في الحركات الاحتجاجية بهونغ كونغ، وحدة صفوف المتظاهرين وتماسكهم، مع وجود مرجعية واحدة (المعسكر الديمقراطي) مسؤولة عن تنظيم المظاهرات ووضع الخطط والاستراتيجيات، على خلاف ما حدث في ثورات الربيع العربي التي تخلت عنها النخب السياسية المجتمعية، فكانت يتيمة وهشة، ما جعلها لقمة سائغة لمآرب وأجندات خارجية حالت دون نجاح مسار الثورات، بل على العكس أصبح ينظر إليها على أنها سبب في جر وبال على شعوب المنطقة.

أخيراً يبدو أن الفارق الجوهري بين المشهدين يكمن في المناخ السياسي العام، فالاحتجاجات الشعبية في هونغ كونغ تجري في ظل نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان ويؤمن بالتعددية السياسية، بينما كانت ثورات الربيع العربي أشبه بنمو وردة في صحراء قاحلة تسيّجها أسلاك السجون وتظللها البيادة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة