الجريمة الكبرى.. عندما تتحول الدولة إلي "غُرزة"!

إننا اليوم ونحن على أعتاب ثورة جديدة وصراع متعدد الجبهات من أجل تحرير مصر وأهلها، بات الناس لا يعرفون أبعاده لكنهم يفهمون أسبابه، ويعيشونه في كل يوم وليلة من قهر وفقر وظلم وإرهاب.

  

يواجه المصريون نوعا جديدا وخطير من إرهاب الدولة التي تقوده أجزاء من أجهزة أمنية بتنا لا نعرف إن كان من يقودها مصريون، أم عملاء، أم أن استراتيجية الجنود الملثمين قد أتت بالصهاينة والإسرائيليين إلى عقر دار المصريين، لكي يستبيحوا أعراضهم وأموالهم وبلادهم، فكيف وصلت مصر والمصريون إلى هذا الحال، وكيف تمكن العدو من الذي كان يوما من المحال، إن الحقيقة المأساوية والوقائع الدموية والسياسية والاقتصادية تؤكد على أن مصر قد تعرضت إلى عملية استخباراتية على أعلي مستوي أنعتها هنا "بالجريمة الكبرى" تركزت أهدافها في:

   

أولا: تقسيم الشعب المصري وزراعة نوع جديد من الفتنة لا تستطيع علاجه لأنك لا تفهم أسبابه، فقد تم زراعة الجرثومة بسرعة عجيبة، حتى باتوا يتغنون إحنا شعب وأنتم شعب

  

ثانيا: القيام بعملية غسيل مخ محترفة تخلق نوعا جديدا من البشر ينتهي بتحويل فئات من المصريين إلى مخلوقات مبرمجة ممسوحة العقل بلا ضمير ولا وازع أخلاقي أو عقلي، فهي مسوخ زومبيه تردد جرعات من كلمات وأفكار يتلقونها عن طريق الإعلام ومؤسسات القيادة السياسية.

 

ثالثا: تدمير الاقتصاد المصري على المدي الطويل وذلك برهن أصول الدولة عن طريق القروض الضخمة التي تستغل في مشاريع غير منتجة لا تمكن مصر من سداد ديونها ولا القيام من كبوتها لمئات السنين، فتصبح دولة مسلوبة الإرادة بلا وزن ولا مكان.

  

رابعا: القضاء على العقل الجمعي المصري، واعتقال آلاف الطلبة والمفكرين، وخلق أجواء من الرعب والخوف لا تمكن الناس من وعي ما يحدث، بل تتركهم يدورون في ساقية البحث عن لقمة العيش والخوف من الكلمة ومن التفكير والدين.

   

   

ولأن المنتجات تؤكد الافتراضات، فإن عملية "الجريمة الكبرى" الاستخباراتية يمكن تفهم أبعادها ونتائجها وكشف الستار عن ملابستها، إذا ما حاولنا ان نتعرض بالفهم والتحليل إلى الحالة المصرية الحالية وإلى طبيعة النظام ومؤيديه ولجانه الأمنية والإعلامية والمؤسسية كما يلي:

   

قام النظام منذ استيلائه على الحكم في ٣ يوليو ٢٠١٣ بزراعة متلازمات متعددة لا يقبلها عقل ولا منطق ومن المفترض أن يتوقف أي عاقل أو صاحب فهم عندها بالرفض أو حتى الاستفسار، ولكننا نجد أن ردود أفعال تلك الفئة ممن يدعمون السيسي ونظامه غير طبيعية ولا مفهومة على الإطلاق وتؤكد على حالة غسيل المخ وخلق شعب الزومبي الممسوح العقل ومن هذه المتلازمات:

  

1- متلازمة إن السيسي انقذ مصر من جحيم الربيع العربي ونحن نسير ورائه حتى لا نصبح مثل سوريا والعراق، وهنا يتعجب الكاتب فما علاقة سوريا والعراق بالربيع العربي، فلم تكن الدولتين أبدا أرضا للتغيير ولا لثورة ناجحة، ولماذا لا يري هؤلاء تونس قلب الربيع العربي والتي عاشت وتعيش تجربة ديمقراطية فريدة، أو حتى ليبيا التي تحارب من أجل حريتها ضد أنظمة ديكتاتورية من ضمنها النظام المصري السيساوي الحاكم، ولماذا يزرع هذا النظام مقارنة مع دول كارثية ولا يقارن مصر بماليزيا أو الهند أو سنغافورة أو تركيا، وهي دول تماثل تجربتها الاقتصادية مصر بصورة تطابقيه.

 

2- متلازمة الإخوان، والتي باتت من أقوي الأدلة على غياب وعي تلك المجموعة المسيرة عن طريق السيسي ونظامه، فقد كان الإخوان لعقود طويلة جزء من النسيج الشعبي المصري ولا توجد حارة ولا شارع في مصر إلا وقدم فيه الإخوان خدمات وافتتحوا المستوصفات، بل انتخبهم أكثر من نصف الشعب المصري بعد الثورة، وتتعجب هنا كل التعجب عندما تري أن متلازمة الإخوان تحولت لمرض خبيث يرددها الناس بلا وعي ولا فهم، فتري سامي عنان أصبح إخوان، وهشام جنينه إخوان، وأوباما إخوان، وأنا إخوان، حالة من فقدان الوعي أشد فتكا من أخطر المخدرات وأنواع الحشيش، فتشعر أنك تجلس في غرزة وليست دولة يستصدرها محشش أهطل، يتكلم بلا معني ويضحك بلا سبب، ويكذب ثم ينسي، ومن حوله يقهقهون ويرددون ما يقول بلا وعي ولا فهم.

   

  

3- متلازمة أن كل من يعارض من الخارج ممول وعميل، وأنك يجب أن تأتي لتعارض من مصر وكل من يعارض من مصر في المعتقل أو تحت التراب، وتتعجب كيف لعاقل أن يطلب هذا أو يستخدم ذلك المنطق في الحوارات والنقاشات ولكنك تتأكد من أنه لا منطق ولا فهم، ولكن عقول ممسوحة مغسولة ومغيبة.

  

4- متلازمة تركيا وقطر، وكيف أن هذه الدول فاشلة وحكامها مغرضون فسدة وشعبها يعيش الويلات والمشاكل والمجاعات، وهنا تسأل نفسك هل هؤلاء السيساويين طبيعيين، وهل من الصعب على أي شخص في هذا الزمن أن يعلم أن الاقتصاد التركي قد تصنيفه كاقتصاد غير قابل للكسر عن طريق الأمم المتحدة وأن الرواتب في تركيا تضاعفت عدة مرات في السنوات الثلاث الأخيرة فقط، وأن أر دوغان استطاع أن يصنع سلاحه ويمنح القروض لمؤسسات العالم بينما مصر مستدينه من كل طوب الأرض، أما قطر فيأخذك العجب كيف لا يستطيع هؤلاء أن يعلموا أن آلاف المصريين بما فيهم السيساويين يعملون ويحلمون بالعمل في قطر بسبب ارتفاع الرواتب ومستوي الحياة وتصنيف التعليم كأعلى مستويات التعليم دوليا في حين بات أكثر من ثلثي الشعب المصري تحت خط الفقر.

 

السيسي يخلق دولة مغيبة لا يتم الإنفاق فيها على علم ولا تعليم ولا بحث علمي، ولكن على الجدران والقصور والمساكن

5- متلازمة المؤامرة الدولية على مصر والتي تقودها إسرائيل وأمريكا بالتعاون مع قطر وتركيا، وهنا يصرخ الكاتب في هؤلاء، أليس لكم عقول تعقلون بها، تري السيسي وهو يتسول رضي ترامب في كل مكان ويكتب عنه كبطل لإسرائيل في الجرائد المنشورة وتعتبره إسرائيل كنز استراتيجي، فكيف يمكن لإنسان سوي أن يقبل هذا بعقله، ولكن في زمن الزومبي لا مكان للعقول ولا للفهم ولا للمنطق.

 

6- متلازمة القذارة والبذاءة والتي باتت تصاحب كل من يساند النظام ويدافع عنه بل وباتت صفة من صفات أجهزته الأمنية، وتراها واضحة في كل مكان ومحفل، فكيف لشخص ذو فطرة سوية أن يتقبل أن يصبح جزءا من تلك المنظومة الراقصة البذيئة الوقحة في الكلام والتعبير والتواصل والتعليق، ولكنها غرزة النظام حيث الجميع بلا أخلاق والبذاءة عنوان الولاء.

 

وهنا يجب أن نعي ونفهم ونتوقف لنتفهم بأن عملية "الجريمة الكبرى" هدفت إلى سرقة العقل المصري والقضاء على العقلية والمنطقية في الحكم والسياسة، فبتنا لا نري أي مناقشات منطقية داخل البرلمان أو في دواوين الحكم في هذا الزمان، بل مجموعة من الأراجوزات فاقدي الأهلية بمهارات بدائية، فشلوا في حل كل المشكلات وعلي كل الجبهات، فتري تصريحات الوزراء عجيبة غريبة فهذا يعلن أن أوروبا تستفيد من المنظومة التعليمية في مصر التي هي خارج تصنيف التعليم، وهذه وزيرة دبلوماسية تصرح بأنها ستذبح المعارضين، وأخري في الصحة تهرتل مع المهرتلين، وآخر في الخارجية يعلن بأنه لا معتقلين في المظاهرات والعالم كله يعلم العدد والمقبوضين، هؤلاء ليس لهم مكان في حكومة أو حكم، ولكن من المفترض أن يسكنوا في مصحات عقلية إن كان هناك عقل أو فهم.

 

إن السيسي يخلق دولة مغيبة لا يتم الإنفاق فيها على علم ولا تعليم ولا بحث علمي، ولكن على الجدران والقصور والمساكن، دولة من المخبولين والمغيبين، يمكن السيطرة عليها وعلى مقدراتها بلا حروب ولا مواجهات، ولكنه احتلال العقل والفكر والاقتصاد والمؤسسات، فهل لنا جميعا سيساويين، ومعارضين، بل مصريين، من وقفة وثورة يفيق فيها الناس ويتوقفون عن تعاطي مخدرات النظام ويواجهون الحقيقة المرة، هل لنا أن نقف جميعا سويا كشعب واحد قبل أن يفوت الأوان وقبل أن تتحول الدولة إلى غرزة وقبل أن تكتمل عملية "الجريمة الكبرى" .



حول هذه القصة

لعلّ أبرز الأحداث ظهورا ومتابعة على السطح السياسي العربي هي مقاطع محمد علي، وبعد أن استجاب عدد من الشعب لدعواته بالنزول ومطالبتهم برحيل السيسي، ما هي السيناريوهات المتوقعة لهذا الحدث؟

في ظل الفراغ الأمني قام السيسي بفرض قبضته الأمنية على جميع مؤسسات الدولة العامة والخاصة مما أدخله صراع جديد مع مؤسسات الدولة العميقة وعلى رأسها المخابرات العامة والأمن الوطني.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة