شعار قسم مدونات

عودوا إلى مطابخكم.. نحن لم نتركها بالأساس سيدي

blogs مطبخ

أهلًا بك عزيزي القارئ في مطبخي الصغير.. أكتب لك من المطبخ بعد يوم مرهق بعض الشيء يسبقه يوم يفوقه إرهاقًا ويليه يوم مماثل.. كان من الممكن أن استضيفك في مكتبتي الصغيرة كذلك ولكن بما أنه حديث عن المطبخ فليكن من المطبخ وعنه وإليه.. ستوفر لي وقتًا إذ أحادثك وأنا أغسل الأطباق وأوفر عليك الفكاهة إن أردت السخرية والتحذلق بجملة "الترند" الحالي "عودي للمطبخ".

  

بدأ الأمر فكاهيًا للغاية يسخر من قلة معرفة الفتيات بكرة القدم وعدم تفرقتهن بين ضربة الجزاء وضربة المرمى وما إلى ذلك وردت الفتيات بعدم معرفة الفتيان بدرجات الألوان وما إلى ذلك من الأمور النسائية وظل الأمر محصورًا في فكرة إن "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة"، حتى تجاوز الأمر ذلك النطاق المرح لتصبح الجملة أشبه بالتنمر على أي سيدة تفكر أو تناقش أو تتكلم في أمر ذو حيثية ما وإن ألمت بحيثياته.

 

لم تترك النسويات الأمر يمر بهدوء أو صمت من جانبهم بل خرجن يستنكرن المطبخ ومن أفنت عمرها فيه وتطالبن النساء بأن يقولن لأ للمطبخ وأصبح هناك "حزب أعداء المطبخ" والناقمون عليه أيمًا نقمة. وأصبحنا نحن بين حجري رحى نشاهد المعركة بين "اتركن المطبخ" و"مكانكن المطبخ وحسب".

في ظل كل هذه السجالات نحاول النجاة ونبحث عن قشة الغريق لتنقذنا نمضي مرتدين مريلة المطبخ وفي يدنا المغرفة وفي يدنا الأخرى كتاب وعلى كتفنا صغير نهدده وفي عقلنا آلاف التساؤلات والرؤى والأحلام والتطلعات

وبقولي "نحن" فأنا أقصد نفسي وعدد لا بأس به من الصديقات اللواتي نجمع بين الاهتمام الدؤوب بالمطبخ وأشغال البيت كافة وبين الانغماس الشديد في القراءة والمطالعة وكل ما يقرب من المعرفة من قول أو عمل. نحن شديدات العادية اللواتي لا نفعل أي أمر خارق أو أخرق نحن اللواتي لم نشعرن أبدًا أننا بحاجة لخوض حرب ضروس دفاعًا عن المطبخ أو هجومًا عليه.

     

نحن "النساء" "الأمهات الجدد" و"الزوجات الجدد" و"الخريجات الجدد" نخوض كل شيء للمرة الأولى في سيل من التخبطات تجرفنا موجة "النساء العتيقات" اللواتي لا يرضين أبدًا مهما كنا نحاول فنحن بالنسبة لهن "خائبات" حين كن يماثلننا العمر كان معهن من الأطفال خمسة وكن يخدمن أهل أزواجهن كافة يطببن المرضى بلا طب ولا طبيب ويصنعن طعامًا يكفي الحي لعدة أشهر متصلة يتحسرن على شبابهن الضائع ويعبن الزمان الذي استبدل الذهب بالصفيح.. نحن الصفيح يا سيدي.

 

وتلطمنا موجة أخرى أشرس من الـ "strong independent women" أو بعاميتنا المصرية "الست القادرة" تسأل بشكل محموم هل سنمكث في البيت؟ هل سننجب بعد أول أشهر من الزواج أو سننتظر عدة أعوام؟ هل سنكمل الدراسات العليا؟ والعمل؟ ما أخبار العمل؟ هل ما زال في وسعكن لقاء الصديقات والتنزه أم أنكن بائسات طحن الدهر عظامكن تحت عجلاته وأنتن الصغار.. أوه يا لشقائكن!

 

وفي ظل كل هذه السجالات نحاول النجاة ونبحث عن قشة الغريق لتنقذنا نمضي مرتدين مريلة المطبخ وفي يدنا المغرفة وفي يدنا الأخرى كتاب أو ديوان شعر وع كتفنا صغير نهدده وفي عقلنا آلاف التساؤلات والرؤى والأحلام والتطلعات، نشاركك الأرض نفسها منذ الأزل إن كان هذا دليلًا يكفيك على أهمية وجودنا.

  

نحن مزيج من حب الزينة والتزين لأننا "فتيات" فطرن على ذلك والاهتمام بأمور البيت وشؤون المطبخ لأننا "سيدات" وضعن موضع مسئولية وبتنا رعاة لأزواج وأطفال وحب المعرفة والاطلاع لأننا "بشر" نملك العقل والحكمة والكفاءة وتسليط الضوء على جانب وطمس آخر تدليس وسفسطة. ومن قال إن المطبخ لا يعلمنا ذلك أو أن المطبخ عقاب لمن لا يفهم أو قليل الخبرة والحيلة، يا سيدي قليلة الحيلة في الحياة قليلة حيلة في المطبخ.

 

ذكرت صديقتي وهي طبيبة بلاغتها أضعاف أضعاف بلاغتي المواقف التي تسد فيها الثغور بالنساء في مجال عملها، وذكرت كم عفين بنتًا من حرج وسترن عورة وكن سترًا لمريضة وغير ذلك من الأمور وقالت فيما قالت إن عدن هؤلاء للمطبخ من يتصدر غرف العمليات ومن يعوض نقصهن وغيابهن. وأزيد على قولها أنهن لم يخرجن من المطبخ بالأساس، أثق أن كلًا منهن تحمل مطبخها في رأسها تديره وتدبر شؤون البيت لأن من أصلح الله به شأنًا من شؤون العباد لن يفسد به شأنًا من شؤون رعيته. هن بارعات داخل المطبخ وخارجه.. وأخيرًا عزيزي إن عدنا نحن إلى المطبخ لأنك تستنكر آراءنا وممارستنا فأين نطالبك بالعودة إن استنكرنا فعلك؟!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.