حماس والدخول تحت عباءة القرضاوي

في المقال السابق (حماس ومحاولات "فلسطنة" الفقه والفتاوى) تحدثت عن رابطة علماء فلسطين، ولا بد من التأكيد على أن الرابطة المذكورة لم تكن جسما تنظيميا تابعا لحركة حماس بالمعنى المعروف لمؤسسات الحركة الأخرى، تأتمر بأمرها وتتلقى موزانة منها وغير ذلك. بل حتى الرابطة نفسها كانت أشبه بكيان رمزي ومعنوي ولم يكن لها خطط توجيهية ومنهج عمل حقيقي، وهو ما زاد من حاجة حماس إلى مصدر فتوى خارج أطرها ومؤسساتها، بل من خارج كل فلسطين!

 

العمليات الاستشهادية

مع تصاعد عمليات المقاومة ودخول نهج العمليات الاستشهادية إلى برنامج عمل حماس؛ وجدت الحركة حاجة إلى نوع من (الشرعية) التي تتجاوز حدود الداخل الفلسطيني، فكان رأي د. يوسف القرضاوي بجواز تنفيذ هذا النوع من العمليات، في ظل تحريم أو جعل الأمر محل شبهة من علماء آخرين(أيضا من خارج فلسطين) حافزا لتوجه حماس نحو تبجيل وتعظيم القرضاوي، ونعته بصفات كثيرة، خاصة أن القرضاوي، لم يتوقف عند تأييد العمليات الاستشهادية، بل أيد وشجع في أحاديثه كل أعمال المقاومة، وانتقد في خطبه قمع بعض أجهزة الأمن العربية مظاهرات ومسيرات مؤيدة للفلسطينيين… لي عودة إلى موضوع تعلق حماس شبه المطلق بالقرضاوي لاحقا.

 

مؤتمر دكار

أمر آخر جعل حماس تحاول أن تجمع أكبر عدد من الفتاوى المؤيدة لها، هو مؤتمر عاصمة السنغال دكار أوائل تسعينيات القرن الماضي الذي مثل انحرافا لم يسبق له مثيل، وتقريبا جعل الجهاد محرما، خاصة أنه تزامن مع بدء عملية التسوية التي افتتحت بمؤتمر مدريد وبعد الهزيمة العسكرية التي لحقت بالعراق، مما جعل خيار الحرب مستبعدا تماما لدى النظام الرسمي العربي، مما دفع حماس إلى رد مزدوج ديني وسياسي على نتائجه.

لم تأبه حماس بعناصرها وكوادرها إلى الهجوم السلفي الحاد على فتاوى وآراء القرضاوي، بل عملت على تقديم القرضاوي إلى الناس، بمباركة -وربما بتعليمات، لا أعرف- إخوانية من مختلف الفروع في الدول العربية والإسلامية على أنه الشيخ العلاّمة

مقررات المؤتمر مع جنوح العرب رسميا وإعلاميا إلى السلم مع الكيان العبري، كان دافعا قويا  لحماس أن تحشد فتاوى من هو إخواني ومن هو حتى خصم ومناوئ للإخوان ضد عملية التسوية التي ترفضها وأصدرت كتابا حولها بعنوان (لماذا نرفض الصلح مع اليهود؟)… كما أصدرت بيانا يهاجم نتائج المؤتمر المذكور. وجدير بالذكر أن الرأي الفلسطيني المؤيد للتسوية لم يكن يتجاهل تماما موضوع الفتوى في هذا الشأن فكان الرد بأن الرسول-صلى الله عليه وسلم- قد عقد صلح الحديبية مع مشركي قريش، لدرجة أن إسرائيل شنت حملة إعلامية شعواء ضد الرئيس عرفات بعدما استشهد بهذا الصلح بعد اتفاق أوسلو في لقاء جمعه مع وفد من مسلمي جنوب أفريقيا… كما تم الاستشهاد بصلح الرملة الذي عقده صلاح الدين الأيوبي مع الصليبيين والذي يتنازل فيه عن شريط ساحلي من صور إلى يافا.

 

اللغة السياسية تطغى تدريجيا

ولكن حماس في خطابها السياسي صارت تتخفف من الفتاوى والمفردات الشرعية تدريجيا، وتقدم أسبابا سياسية لمواقفها؛ فمثلا يشاع بأن حماس قد حرّمت المشاركة في الانتخابات التشريعية الأولى سنة 1996 وهذا ليس صحيحا فحماس قدمت أسباب رفض المشاركة وفق اعتبارات سياسية بحتة. ولكن الشيخ بسام جرار الذي اعتقل عدة مرات في سجون الاحتلال وأبعد إلى مرج الزهور أفتى بحرمة تلك الانتخابات وهذا لم يكن رأي حماس الرسمي (رفضت المشاركة بمبررات سياسية) فاختلطت الأمور.

ولكن هذا لا يمنع أن بعض عناصر وحتى كوادر حماس استندوا في دعايتهم المضادة للانتخابات إلى فتوى الشيخ بسام جرار، من باب الحشد وما شابه، في ظل الأجواء التي شابتها حالة استقطاب حادة في الأراضي الفلسطينية. وحاليا وصلت حماس إلى حالة من التخفف شبه التام من الخطاب الديني والشرعي خاصة إعلاميا، ولكن كما قلت في مقال سابق يبقى التأطير والتأصيل والتثقيف الداخلي يستند إلى مسوغات شرعية وفقهية.

 

القرضاوي يهيمن

كنت أتصفح موقعا تابعا لحركة حماس قبل حوالي عقدين من الزمن يحتوي زوايا عدة منها زاوية التأصيل الشرعي ولما فتحت الصفحة الفرعية الخاصة بتلك الزاوية وجدت رأي د. يوسف القرضاوي وفتاويه في الأمر، وخاصة عمليات المقاومة والعلميات الاستشهادية، مما يبرهن أن التأصيل يستند أساسا إلى رأي د. يوسف القرضاوي، وليس إلى علماء وفقهاء آخرين من الإخوان أو من حماس نفسها، طبعا هؤلاء يوافقون القرضاوي في مسائل المقاومة، ولكن حماس عملت على ما يشبه المأسسة بجعلهم مقلدين له ضمنا!

ولكن الأمر لم يكن مقتصرا على ذلك؛ فقد وصلت إلى الأراضي الفلسطينية فتاوى القرضاوي مطبوعة (فتاوى معاصرة في مجلدين) والتي عموما تختلف مع النهج السلفي الذي يرى بحرمة عدة أمور من باب زيادة الحيطة أفتى القرضاوي بجوازها؛ بينما في نصوص تلك الفتاوى يرى القرضاوي أن الأمر منوط بالدليل الأقوى، وليس بالتشدد بذريعة الأخذ بالأحوط. وقد أفتى القرضاوي بأن الديموقراطية حلال بمخرجاتها وتمظهراتها، وأجاز العمل-وفق ضوابط-للشباب الملتزمين في البنوك الربوية، وجواز أخذ قرض من البنك الربوي لضرورات معينة، وجواز مصافحة المرأة الأجنبية، وفتاوى أخرى تتعلق بالعلاقة الخاصة بين الزوجين، وغير ذلك.

ولم تأبه حماس بعناصرها وكوادرها إلى الهجوم السلفي الحاد على فتاوى وآراء القرضاوي، بل عملت على تقديم القرضاوي إلى الناس، بمباركة -وربما بتعليمات، لا أعرف- إخوانية من مختلف الفروع في الدول العربية والإسلامية على أنه الشيخ العلاّمة، وفقيه العصر بلا منافس، ونجحت في ذلك عند كثير ممن لا ينتسب إليها من عامة الناس، بسبب الميل إلى عدم التشدد والنزوع إلى الترخّص في مستجدات الحياة العصرية، في ظل جمود سلفي لا يقدم البدائل. ولكن مهاجمة فتاوى القرضاوي لم تقتصر على السلفيين الذين رأوا نقيضها بالمطلق؛ بل هاجم حزب التحرير (بعض وليس جميع) تلك الفتاوى خاصة مسألة البنوك والقروض، عبر منابره الإعلامية، ونشطائه المنتشرين في مساجد فلسطين، ولكن بالطبع وقبل صعود القرضاوي ولا بعده كانت آراء الحزب يؤخذ بها عند الإخوان وحماس.

وقد اعتمد القرضاوي نهجا يقوم على (الدليل الأقوى) وهذا يعني عدم التقيد بأي مذهب في كل المسائل، وهو ذات نهج المدرسة السلفية التي هاجمته بكل قوة، ولكن الفرق سعي القرضاوي إلى التخفيف والترخص الموجودة في كل مذهب وعند كل عالم من علماء السلف، وسعي السلفيين إلى كل رأي متشدد من آراء العلماء السابقين والمدارس الفقهية المختلفة… وبالطبع سترجح كفة التخفيف والأخذ بالرخص، لأسباب معروفة.

 

الشريعة والحياة وإسلام أون لاين

وكان دخول القرضاوي وتعرف الناس عليه قد حصل بهذا الشكل المكثف بعد تطور وسائل الاتصالات والإعلام؛ فقد صار الفلسطينيون يقتنون أجهزة التقاط البث لفضائيات مختلفة (الستالايت) ومنذ أواسط التسعينيات بدأت الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) تدخل بيوت ومؤسسات الفلسطينيين في الضفة والقطاع تدريجيا، ومن خلال هذه الوسائل تعرف الناس على القرضاوي أكثر من ذي قبل، ووجهت حماس عناصرها وأنصارها إلى اعتماد آرائه مرجعا وحكما وتجاهل ضمني لكل رأي مخالف.

فكان هناك برنامج (الشريعة والحياة) على قناة الجزيرة، وكان ضيفه شبه الدائم هو د. يوسف القرضاوي، والذي كان يتلقى اتصالات هاتفية تستفتيه فيفتيها، فتصبح تلك الفتوى معتمدة مئة بالمئة عند الكادر الحمساوي. وكان هناك موقع (إسلام أون لاين) الذي كان القرضاوي من أبرز أيقوناته لأنه كان يرأس جمعية البلاغ مالكة الموقع، والتي ترأس د. يوسف القرضاوي مجلس إدارتها فترة من الزمن. ولكن ماذا عن التيار السلفي داخل حماس، وكيف كانت ردة فعله على هذه (المرجعية) الجديدة التي تخالف ما تربى وربى أجيالا على غير ما تراه؟ هذه المسألة ومسائل أخرى سأتطرق لها في المقال القادم إن شاء الله تعالى.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة