شعار قسم مدونات

العبد عندما يصبح سيّدًا.. والأقليات عندما تتحكم بالأكثريات!

blogs الاستعمار

أعظم روائيي البرازيل وأدبائها تاريخيا ماشادو دي أسيس لم يحظَ بعُشرِ شهرة باولو كويليو، الكاتب البرازيلي المعاصر، الذي يأبى النقاد الجادون أن يصنفوا أعماله في عداد الأدب الحقيقي. بل يذهب البعض بعيدا في نقده لكويليو، معتبرا اياه دجّال أدب.

 

عاش ماشادو دي أسيس الشطر الأعظم من حياته في القرن التاسع عشر، في عهد مملكة البرازيل، وقضى السنوات الأخيرة من حياته في ظل الجمهورية، التي تحققت في العام ١٨٨٩ بعد الانقلاب السلمي على الملك بطرس الثاني (بيدرو الثاني) الذي حكم زهاء نصف قرن (٤٩ عاما)، وقبل إعلان الجمهورية بعام، أي في العام ١٨٨٨، أُلغِيَ الرقّ نهائيا في البرازيل، عبر مرسوم الأميرة إيزابيل، بنت بطرس الثاني، وتقرر إعتاق جميع عبيد مملكة البرازيل، من المعروف أن ماشادو دي أسيس، رغم كونه خلاسيًا (مزيج من العرق الأبيض والأسود)، لم يكن ينظر بعين التضامن والعطف إلى قضية تحرير الرقّ، وذلك بسبب نظرته السوداوية للإنسان. فهو كان يقول أنه لا يتضامن مع العبد، لأن هذا العبد لو أتيحت له الفرصة، فإنه سيطغى ويتسلط ويتجبر تماما كما السيّد المستغل الظالم.

  

لا أؤيد نظرة ماشادو دي أسيس السوداوية، وأؤمن بكوامن الخير ونوازع الفضيلة الكامنة في النفس البشرية، ولكن أعظم أدباء البرازيل كان محقًّا في كثير من ملاحظاته. فبعض الضعفاء والمستضعفين والمسحوقين عندما تتحسن أحوالهم ويصبحون من السادة والقادة، فإنك تراهم في كثير من الأحيان أشد ظلما وفتكا وتسلطا وتجبرا من أولئك الذين ورثوا السيادة والقيادة كابرا عن كابر.

  

بعد الإطاحة بنظام حزب البعث وإعدام رأسه صدّام حسين في ظل الاحتلال الأمريكي، وثب الشيعة إلى السلطة، وراحوا يرتكبون المجازر والفظائع وبالغوا في التشفّي والانتقام

ولنا في محدثي النعمة في بلداننا العربية خير مثال على ما نقول. فالباشوات كانوا ظالمين بلا ريب، لكن ثورات ما بعد الاستعمار سمحت بصعود فئة كانت مسحوقة إلى أعلى السلّم الاجتماعي. فلما وصلت هذه الفئة إلى القمة، راحت تظلم وتبغي وتطغى وتتسلط وتتجبر بأشكال اشد لؤمًا ووحشية من الملوك والامراء والباشوات. ولنا في مصر وسوريا والعراق وليبيا خير مثال على ما نقول، فاليهود الذين كانوا أقلية مضطَهدة في أوروبا والعالَم، والذين راحوا ضحية المحرقة النازية، عندما صار لهم قوة وشوكة ارتكبوا من الفظائع والمجازر والشناعات ما يفوق جلاديهم النازيين. لم تصنع المظلومية من اليهود قومًا رحماء، وإنما صنعت منهم جلّادين وقتلة ومجرمين وأناسًا متعطشين للسلطة وللمال بأي وسيلة ومهما كان الثمن. وهنا نحن بإزاء مثال للعبد الذي صار أسوأ من سيده السابق عندما آلت له السيادة.

 

والطائفة الشيعية الكريمة في لبنان كانت ضحية مظلومية تاريخية وحرمان وتهميش وهضم لحقوقها قبل الحرب الأهلية اللبنانية التي دارت رحاها بين عامَيْ ١٩٧٥ و١٩٩٠. فلمّا أمسك الشيعة بزمام الأمر فعليًا في لبنان، بواسطة ميليشيا "حزب الله" المدعومة من نظام ولاية الفقيه في إيران، فإنهم طغوا واستبدوا وحوّلوا لبنان إلى واحدة من أفسد دُوَل العالم. هذا دون ذكر إراقتهم للدماء في الاغتيالات السياسية محليًا وبمشاركتهم بحروب إقليمية عدوانية وظالمة. فنحن إذًا هنا إزاء طائفة كانت مظلومة، فلما استتبّ لها الأمر، صارت اشدّ ظلمًا من ظالميها السابقين.

 

وفي العراق، لم يكن شأن الطائفة الشيعية الكريمة مختلفًا عن شأنها في لبنان. فقد كان شيعة العراق يعانون من ظلم تاريخي. ولكن، بعد الإطاحة بنظام حزب البعث وإعدام رأسه صدّام حسين في ظل الاحتلال الأمريكي، وثب الشيعة إلى السلطة، وراحوا يرتكبون المجازر والفظائع وبالغوا في التشفّي والانتقام، حتى صاروا نسخة أسوأ بكثير من جلّاديهم السابقين، وحتى أصبح الشعب العراقي المكلوم يترحّم على أيام استبداد وطغيان صدام حسين. فهنا نحن بإزاء مثال آخر للضحية التي تصبح أسوأ من جلّادها عندما تسنح لها الفرصة.

  

والعلويون (أو النُّصَيْريون) في سوريا لم يكن شأنهم مختلفًا عن شيعة لبنان والعراق، فقد كانوا أقلية مرذولة شديدة الضعف تستوطن جبال الشمال السوري وساحله. ولكن بعد وصول العلوي حافظ الأسد إلى قمة السلطة في سوريا إثر هزيمة العام ١٩٦٧ التي كُنِّيَت بالنكسة، فإن هذه الأقلية العلوية المظلومة راحت تستبيح الوطن السوري وتعربد فيه، حتى صارت بلاد الشام التاريخية تُسَمَّى "سوريا الأسد". فنحن هنا أيضًا أمام مثال حي لأقلية كانت مستضعَفة، فلما استحوذت على السلطة والقرار والقوة، صارت أقلية ظالمة ومتجبرة ومستبدة بشكل أشنع وأفظع وأسوأ بكثير من ظالميها السابقين.

  

والأمثلة كثيرة في حيوات الأفراد والجماعات عن الضحايا الذين يصبحون اسوأ من جلّاديهم، مما يشير إلى أن تشاؤم وسوداوية الأديب البرازيلي الكبير ماشادو دي أسيس لم تكن تنبع من فراغ، وإنما لها ما يدعمها من الواقع الذي يحكمه حقّ القوة وليس قوة الحق، والذي يسود فيه منطق القوة وليس منطق الحق.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.