هل تنجو الثورة السودانية من التدخلات الإماراتية المتكررة؟

لم يكن السودان محل صراع وتشاكس وتنافس من قبل المحاور الإقليمية والدولية إلا بسبب مركزه الجيوسياسي وموارده الطبيعية الغنية التي لم تستغل منذ استقلاله، ففي بداية القرن التاسع عشر الميلادي خضع السودان إلى الإستعمار الخديوي العثماني حيث غزا محمد علي باشا السودان بحثنا عن المال والرجال، فالمال كان يتمثل في الذهب والصادرات مثل العاج الأبونس وريش النعام والجلود حتى ينفقه على جيشه الممتد شرقا حتى الحجاز وغرب الى ليبيا والرجال كي يضمهم إلى جيشه حتى يعينه على خصمه من الفرنسيين والبريطانيين.

 

قبل نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ثار السودانيون على الحكم الخديوي العثماني وذلك  بسبب زيادة الضرائب وقسوة التعامل من قبل الجنود حيث التف السودانيون خلف الأمام محمد أحمد المهدي قائد ثورة التحرير التي حسمت لصالحه بعد مقتل الحاكم العام على السودان وقتها غردون باشا على يد جنود جيش المهدية، هذه الثورة شكلت خطرا عظيما على المستعمرين في المنطقة فألهبت في شعوب المنطقة روح الإستقلال والتحرر وطرد المستعمر، مما دعا البريطانيون إلى القضاء عليها فتم استعمار السودان مرة أخرى في القرن العشرين من قبل بريطانيا بمعاونة جيش الخديوي المصري لمدة نصف قرن من الزمان والذي عرف لاحقا بالحكم الثنائي للسودان لنفس الأغراض المال والرجال.

 

أنشأت بريطانيا أكبر مشروع زراعي مروي في إفريقيا في وسط السودان مشروع الجزيرة لزراعة القطن مع ربط السودان بسكك حديدية من جنوبه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه مع مصر كل ذلك بهدف نقل الصادرات السودانية إلى الخارج عبر مصر -التي خضعت هي أيضا للإستعمار البريطاني- وأهمها الصمغ العربي والقطن طويل التيلة الذي يعتبر أجود أنواع القطن بهدف رفد مصانعها في لندن بالمواد الخام، كذلك شارك جنود سودانيون في الحرب العالمية الثانية مع بريطانيا في قوات الحلفاء بل أعتبرت تلك المشاركة العسكرية عربون لإستقلال السودان الذي ناله في عام 1956م.

  

   

كذلك تبنت غالبية الحكومات التي تعاقبت على حكم السودان بعد الإستقلال علاقات خارجية يسودها التعاون في حدود احترام سيادة السودان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، إلى أن شهد السودان أزمته الإقتصادية الطاحنة التي تسببت بالإطاحة بنظام البشير، فقبل سقوطه بسنين بدأت بعض الدول التدخل في السودان وفي شأنه الداخلي؛ مدخلها في ذلك وعودٌ بالدعم المشروط للإقتصاد، بل تلك الدول ساهمت في زيادة تدهور الإقتصاد السوداني بطرق مباشرة وغير مباشرة عندما تبنت تفيذ العقوبات الأميريكية على السودان كغيرها من دول الإقليم في المنطقة، فالسعودية والإمارات هي أول الدول التي تبنت تفيذ العقوبات المصرفية على المصارف السودانية فمنعت التحاويل والتعامل معها بحجة خوفها من فرض عقوبات أمريكية عليها بحجة تعاملها مع النظام الإقتصادي السوداني، في حين كانت تلك الدول تعطي السودان وعودا كاذبة في ما يختص بدعم الإقتصاد والبنية التحتية وتمويل مشروعاته الزراعية.

 

السودان الذي أصبح الأكثر تأثيرا في منطقة القرن الإفريقي بعد الاستقلال والبلد الثالث أفريقيا وعربيا من حيث مساحته – لم ينجُ من التدخلات الإقليمية المتكررة في شؤونه الداخلية فكانت تلك التدخلات محدودة، ولكنها بعد ثورة ديسمبر ازدات تلك التدخلات بشكل سافر بالأخص من قبل السعودية والإمارات عناصر الشر في المنطقة، فمحمد بن زايد ومحمد بن سلمان دعما في عام 2017م مدير مكاتب الرئيس السوداني طه عثمان الحسين وذلك بهدف قلب نظام الحكم المحسوب شكلياً على الحركة الإسلامية السودانية بالتعاون مع آخرين في السلطة وكان على رأسهم قائد مليشيات الدعم السريع المعروف بحميدتي والذي تربطه علاقة وطيدة مع طه عثمان وساهم الأخير بعلاقته مع دول الخليج في تسويق ذهب جبل عامر الذي يملكه قائد الدعم السريع حيث أصحبت الإمارات المشتري الوحيد للذهب السوداني الذي يصدر عن طريق مطار الخرطوم عبر شركة الجنيد المحدودة المملوكة لشقيق حميدتي ونائبه في الدعم السريع عبدالرحيم دلقو والتي تحتكر تصدير الذهب إلى الخارج منذ فترة.

   

هذه التجارة خلقت أرضية لقائد الجنجويد مع الإمارت من جهة وعلاقة أكثرمع السعودية التي يدعمها بقوات تقدر بثلاثين ألف مقاتل في حرب اليمن وذلك حسب وصفه أي حمدان دقلو- من جهة أخرى، فطه الحسين بحكم الدعم المادي المقدم له من قبل المحمدين زايد وسلمان أصبح نافذا في السلطة لدرجة وصوله لتمثيل الرئيس السوداني في القمة العربية الإسلامية الإمريكية التي أقميت في جدة بحضور ترامب منتصف عام 2017م والتي أعقبها الخلاف الخليجي الخليجي، فجزء من هذه الأموال يحاكم به الرئيس السوداني الآن بحكم أنها وجدت خارج خزينة الدول عشية سقوطه، وهذا ما لم ينكره البشير حيث أقر أمام القضاء باستلامه لتلك الأموال من محمد بن سلمان ومحمد بن زايد عن طريق مدير مكتبه السابق طه الحسين، وبعد عودته من حضور قمة جدة أي طه الحسين تم اعتقاله بصورة مفاجئة وذلك بعد أن تم رصد نشاطه المريب من قبل المخابرات السودانية وأخرى دولية ففشل مشروع المحمدين في السودان وقتها ولكنهما لم ييأسا من ذلك.

   

 

بعد شهور قليلة من إعفاء طه الحسين الذي منح الجنسية السعودية وعين لاحقا مستشارا لابن سلمان. وقف السودان موقف الحياد من تلك الأزمة الخليجية هذا الموقف لم يعجب السعودية والإمارت فاجتمع في الخرطوم سفراء الدول الثلاثة السعودية والإمارات ومصر مع وزير الخارجية السوداني وطالبوه بانضمام السودان إلى معسكرهم ضد قطر وقطع علاقته معها في الحال فرفض السودان ذلك، فأصبحت العلاقة أكثر فتورا من ذي قبل، زادت الأمور سوءا عندما زار الرئيس التركي طيب رجب أردوغان الخرطوم وطلبه لمنطقة سواكن المطلة على البحر الأحمر والتي يقع فيها ميناء سواكن المعروف والذي سعت شركة موانىء دبي في إيجاره من قبل وفشلت، فإعطاء سواكن ذات الجذور العثمانية للأتراك لم يعجب ذلك المحور السعودي الإماراتي المصري، فالعدو اللدود أصبح قريباً منهم فخشيت تلك الدول من قيام تركيا بإنشاء قاعدة عسكرية في سواكن بل وصفتها بعض الأجهزة الإعلامية المحسوبة على هؤلاء بأن سواكن ستكون المنطقة العسكرية التي ستضرب منها السعودية، بحكم أن جدة تقع في الطرف المقابل من البحر الأحمر حيث تبعد عن سواكن مسافة 300كم، بالرغم من حديث الرئيس التركي الذي أكد فيه على الأهداف الاقتصادية لمنطقة سواكن.

 

في يوليو من عام 2018م أرسلت السعودية والإمارات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الخرطوم رسولاً إلى الرئيس البشير مقدماً له مجموعة من الطلبات مقابل دعم مالي وإقتصادي خليجي كبير ينقذه من تلك الأزمة الإقتصادية التي تسببت لاحقاً في سقوطه ، كالذي ناله هو – أي السيسي – من قبل هؤلاء عندما نفذه انقلابه المشهور ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي، حيث تمثلت تلك المطالب في التخلص من جميع الإسلاميين الذين أوصلوه إلى السلطة بإبعادهم والزج بهم في السجون أسوةً بما فعله هو أي السيسي، كذلك دعم خليفة حفتر الذي يعتبر "السيسي" الجديد في ليبيا عسكريا بالجنود والطيران ضد حكومة طرابلس المحسوبة على الإسلاميين ذلك التيار الذي تخشاه تلك الدول من الصعود إلى مفاصل السلطة والذي ظل محارباً من قبل هؤلاء.

 

في نوفمبر2018م زار البشير القاهرة وأبلغ السيسي برفضه لذلك العرض المقدم له، فأصبحت تلك هي لحظة القطيعة الكبرى بينه وبين هؤلاء، وفي خضم تزايد الإحتجاجات عليه المدعومة إماراتيا وفشله في إنقاذ إقتصاده المتدهور، انحاز البشير بشكل أكثر وضوحا إلى المحور التركي القطري على حساب المحور السعودي الإماراتي بعد كشفه لأهداف محور الشر الذي يريد أن يجعل منه كومبارس لتنفيذ أجندته في السودان والمنطقة، فزار تركيا وسوريا وروسيا وقطر، ولكن تلك الزيارات لم تجدِ نفعا، فالاحتجاجات بلغت ذروتها والإمارت والسعودية أحكمتا قبضتهما على القيادات الأمنية للبشير، فطه عثمان الحسين تواصل مع صديقه القديم الجديد حميدتي وكذلك مع صديقه في المال والأعمال صلاح قوش مدير جهاز أمن البشير العائد من سجون البشير بعد اتهامه بمحاولة إنقلابية فاشلة مع آخرين والذي زار الإمارات سرا والتقى فيها بطه ومحمد بن دحلان.

   

  

في 11إبرايل انحازت اللجنة الأمنية لخيار الثورة وأسقطت البشير، فسارعت السعودية والإمارات بترحيبهما بذلك السقوط مع إعلان توفيرهما الدعم المادي والعيني لحوجة البلاد من مال ومواد بترولية ومشتقاتها لستة شهور مقبلة، فزار طه عثمان الحسين ومحمد بن دحلان الخرطوم بعد يومين فقط من سقوط البشير فاستقبلتهما السلطة الإنقلابية استقبال الفاتحيين. فتمسكت قوى الحرية والتعيير بمدنية السلطة داعية العسكر للعودة لسكناتهم وتسليمهم السلطة لقوى الحرية والتغيير اللاعب الأساسي في تلك المظاهرات، مع تأييد شعبي وتصعيد من قبل المتظاهرين مع الدعوة لعصيان مدني شامل كاد أن يشلّ حركة البلاد، فدعت الإمارات أعضاء من قوى الحرية والتغيير إلى زيارة أبو ظبي وهؤلاء غالبيتهم من الذين كان يصل عبرهم الدعم المادي الإماراتي للثورة، فألزمتهم بحكم دعمها لهم باقتسام السلطة مع العسكر الذين تسيطر عليهم.

 

انطلقت المفاوضات المباشرة في الخرطوم وأدس أبابا، فمفاوضات الخرطوم كانت بين العسكر وقوى الحرية والتغيير أما مفاوضات أدس أبابا كنت بين قوى الحرية والتغييروالحركات المسلحة، فمفاوضات الخرطوم كان يشرف عليها في الخفاء طه عثمان الحسين، أما مفاوضات أديس أبابا فكانت تحت إشراف وتدخل محمد مشارقة مستشار محمد بن دحلان والذي كاد أن يتسبب في إبعاد إحدى الحركات المسلحة من المفاوضات، فهؤلاء المرتزقة أثروا بطريقة مباشرة على سير المفاوضات هنا وهنالك لصالح العسكر، فتم التوصل إلى إتفاق مناصفة بين العسكر والمدنيين وقع بحضور إقليمي مشهود في الخرطوم، أفضى برئاسة البلاد إلى الفريق أول عبدالفتاح البرهان مع احتفاظ رجل الإمارات حميدتي بمنصب نائب الرئيس، مع إعطاء رئاسة الوزراء لرجل ذو خلفية مدنية.

  

المثير للشفقة هو الدعم الإماراتي المتواصل لقائد الجنجويد حميدتي؛ فقد دعمته الإمارات بآليات عسكرية ضخمة وأموال كبيرة ربما هي جزء من عائدات تصدير الذهب لهم، مع توفيرها له أجهزة تجسس عالية الدقة كالتي استوردتها الإمارات من الشركة الإسرائيلية والتي تعمل بها الآن، وقبل فترة أورد موقع ميدل إيست الإخباري البريطاني خبرا بأن حميدتي دعم حفتر بألف مقاتل وطئت أقدامهم شرق ليبيا الأسبوع الماضي للقتال إلى جانب قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، وذكر الموقع أن عدد قوات حميدتي قد يرتفع إلى أربعة ألف مقاتل في الشهور القليلة المقبلة وذلك حسب ظهور مستندات إماراتية خاصة أظهرت صدور تلك التعليمات، فنقل تلك القوات لدعم حفتر كان مقترحا ضمن صفقة بقيمة ستة ملايين دولار أمريكي بين حميدتي وشركة ديكنز آند مادسون التابعة لعميل الإستخبارات الإسرائيلي السابق آري بن مناشي والتي لها تاريخ بتعاملات سابقة في ليبيا.

   

  

هذا الخبر يعضده السعي الحثيث من قائد الدعم السريع لضم إدارة هيئة العمليات الخاصة بجهاز الأمن والمخابرات السوداني والتي تضم أكثر من 13 ألف مقاتل تلقوا تدريبات متقدمة أهلتهم من قبل في المشاركة في عمليات عسكرية دوليا – إلى قواته مستخدما نفوذه العسكري والسلطوي بصفته الرجل الثاني في السودان بحكم منصبه وإن كان هو الأول على الواقع الأليم، فالعسكر لم يكتفوا بذلك بل زجوا بجميع القيادات العسكرية العليا للقوات المسلحة السودانية في السجون وأحالوا آخرين للمعاش وذلك أستنادا على تهمِ نصبوها لهم مثل محاولة عسكرية إنقلابية أو وصمهم بإنتمائهم للنظام السابق وذلك بهدف التخلص من جميع الشرفاء من العسكريين والمدنيين الذين يشكلون تهديداً لتنفيذ أجندتهم مدفوعة الثمن.

  

المحك الحقيقي للثورة يتمثل في كيفية التخلص من جميع هؤلاء المرتزقة سواء كانوا عسكريين أو مدنيين، فالإمارات الآن تملكهم الأثنين معا، مما يعني أن الثورة السودانية أصبحت في مهب رياح ابن زايد، فالأمل الآن معقود على السياسيين والأحزاب التي رفضت أن تكون ضمن هذا المستنقع من أجل التصدي لحماية الثورة والحفاظ على مكتسباتها، فالإمارات بعض أهدافها معلومة اليوم أهمها القضاء على جميع التيارات الإسلامية في السودان، مع خلق طبقة حاكمة تنفذ أوامرها ورغباتها، من احتكارِ لتصدير الذهب إليها من أجل تقوية مركزها المالي، مع ضمان استمرار مشاريعها الزراعية في السودان، كذلك ضمان استمرارية مشاركة القوات السودانية في حرب اليمن التي تعود أموالها إلى خزينة الدعم السريع وليست جمهورية السودان، كذلك سيطرتها على الأمن البحري للسودان كما فعلت في عدن عن طريق شركة موانىء دبي، فقبل سقوطه بأيام قرر البشير إلغاء عقد الشركة الفلبينية لإدارة الميناء الجنوبي ببورتسودان والذي تنساب عبره احتياجات البلاد من المواد الأساسية كالنفط والدقيق، فالشركة الفلبينية لم تكن إلا غطاء لشركة موانىء دبي التي فشلت من قبل في الحصول على إدارة أكبر موانئ السودان، السؤال المسيطر الآن على الشارع السوداني هو كيف تنجو تلك الثورة من تدخلات إسبارطة الصغيرة؟ كما يحلو للجنرال الأمريكي المتفاعد ووزير الدفاع السابق جميس ماتيس تسميتها.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة