فلسفة المحبة وبناء المجتمع

أنا اعشق هذا الوطن، أنا اعشقه لأنني أينما حللت، وقد تسنت لي فرصة زيارة أغلب الولايات، لم أشعر ولا مرة واحدة انني غريب أو أجنبي. عندما اتجول في شوارع أي مدينة اشعر كأنني أتجول في الحي الذي ترعرعت فيه. وأرى في المارة أبناءه وأصدقائي. بالنسبة لي هذا هو سر جمال بلادي أين ستجد نفسك تتجول في أزقة وانهج تشبه بعضها مهما اختلفت المنطقة. نفس الشيء لمسته في التونسيين في جولاتي، اكتشفت أن لدينا نفس الاحلام، نفس الهواجس، نفس العقلية ونفس الروح.

    

لا فرق بين تونسي يعيش في سوسة أو تونس والذي يعيش في الجنوب أو الشمال الغربي. الفرق الوحيد هي تلك الخصوصيات الجغرافية والثقافية التي تتميز بها كل جهة ذلك ما يزيد تلك التجربة جمالا وتميزا. في كل جولة اكتشف اكلة لذيذة جديدة أو موقعا طبيعيا خلابا. مؤكدا تلك القناعة التي لدي مسبقا، بأننا نعيش في بلد خيرات، كالكنز الذي لا نعرف استغلاله. إذا نحن متشابهون أكثر مما نحن مختلفون فلماذا هذه القطيعة والفرقة التي تنهش مجتمعنا؟ جهويات، عنصرية وإقصاء. ما الذي ينقص المعادلة؟

   

هنالك من يستغل نقاط الاختلاف لبث الفتنة والفرقة وخلق حساسيات لا يمكنها تقديم الإضافة أو تحسن الأوضاع. كل ذلك لمصالح ضيقة على حساب أمن التونسيين ووحدتهم

بالنسبة لي الإجابة نجدها في قلوبنا، لأننا كائنات عاطفية وهي ما تحدد علاقتنا بالآخر. لدينا الروح والخيرات، المعرفة والإرادة لكن ما ينقصنا هو الحب، ليس الحب بالمعنى الرومانسي كالذي في الروايات أو في الأفلام بل الحب كفلسفة. للمحبة اهمية كبيرة لبناء مجتمع صحي لان بالحب يصير المجتمع أكثر تسامح وانفتاح على الآخر ويقبل أكثر الاختلاف ويحترمه. إذا أحب التونسي أخاه بصدق فلن يقصيه لأنه من بسبب جهة أو من دين معين بل سيراه دائما وابدا تونسيا مثله. الاختلاف شيء طبيعي وغيابه هو الذي يعتبر غير طبيعي لأنه يعني غياب الوحدة. الحب يعلمنا قيم نبيلة كالوفاء والتضحية نفس القيم التي نحتاجها اليوم لمحاربة قوى التشتت والفتنة.

  

وهذا ما يقصد بحب الوطن، فسكان هذه الأرض هم من يجعلونها وطننا، لأنهم يشكلون منظومة متحدة ومتفاعلة فيما بينها تتشارك نفس القيم. بالتالي فان حب الوطن هو حب الآخرين وحماية الوطن تعني حماية الآخرين بمنطلق انهم تونسيون فوق كل اعتبار ومهما كان اختلافهم. إذا اعتمدنا فلسفة الحب في بناء مجتمعنا سنضمن استمرارية هذا الوطن لأننا سنتشارك التجارب والخبرات المكتسبة من خلال اختلافنا. إن الاختلاف بحد ذاته قوة ايجابية في المجتمع لأن مجالستك الرجل والمرأة، المؤمن والملحد، ابن المدينة وابن الريف سيفتح أعينك على عديد الأفكار الجديدة التي يمكن أن تفتح آفاقا أخرى لنا كمجموعة وكأفراد ايضا. مما يساهم في خلق ديناميكية اجتماعية ومجالات أوسع للإبداع والتجديد الفكري.

  

من السهل ايجاد أسباب لكره الآخر أو لإقصائه. من السهل أيضا رفض الآخر لمجرد اختلافه ورفض كل ما يمكن أن يقدمه للمجموعة. لكن أن تقبله وتتعامل معه كإنسان وتونسي مثلك فهذا يتطلب نضجا وشجاعة لكي تفتح قلبك وتقبل من يختلف عنك. لكن كما قلت لسنا في حقيقة أمر مختلفون فذلك المثلي الذي يهان يوميا لخياره أو تلك المنقبة التي تنعت بالتخلف يمكن أن يكون أحدهما كان زميلا لك في الدراسة ولعبتما مع بعضكما في الساحة. لكن بحكم اختلاف كل منا فإنه في مرحلة ما سيختار طريقه حسب قناعاته، لذلك نحن كمجموعة يجب أن نحترم إرادته وشخصيته وأن نقبله ونحبه لكونه فردا منا وتونسيا مثلنا.

 

هنالك من يستغل نقاط الاختلاف لبث الفتنة والفرقة وخلق حساسيات لا يمكنها تقديم الإضافة أو تحسن الأوضاع. كل ذلك لمصالح ضيقة على حساب أمن التونسيين ووحدتهم. وهذا هو الخطر الذي يحدق بوطننا وديمقراطيته الناشئة. كل من يدعوا للعنف وتقسيم المجتمع فهو عدو له. أنا شخصيا لدي قناعة أسعى دائما لنشرها ومفادها، لا وجود لولايات الداخل وولايات الساحل، بل توجد فقط تونس. لا يوجد تونسي كافر وتونسي مؤمن، بل يوجد فقط تونسي. قدرة الشعوب على التطور هي في قدرتها على الحوار وقبول الآخر لاستئصال كل قوى التدمير التي تستعمل مواقع التواصل الاجتماعي كمنابر لنشر ضغينة

   

يجب أن نحب بعضنا البعض، اختلافنا ليس خطرا بل نعمة وقوة يمكن استغلالها في سبيل بناء وطن للجميع لا يقصى فيها أي شخص. يجب أن نحب بعضنا البعض عبر الحوار لا عبر السب والأحكام المسبقة. يجب أن نحب بعضنا البعض لأننا نتشارك نفس الهموم والاحلام، نفس الوطن، نفس التاريخ ونفس المستقبل. حب الوطن هو حب التونسيين وحب التونسيين هو درع ضد كل خطر. يجب ان نرتقي بعقولنا وقلوبنا وننظر لمجتمعنا وبلادنا من زاوية أوسع فالله خلق الاختلاف فينا ليعلمنا اهميته وأعطأنا قوة الحب لتوحيد القلوب والعقول للحفاظ على الامة. لذلك ندائي لكل التونسيين، انسوا الاختلافات وركزوا على ما يوحدنا ويجمعنا، مستقبل بلادنا وابنائنا. فبالحب تبنى الشعوب وبه تكون أقوى.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة