جزائر الأمل في عيون المستقبل!

blogs الجزائر

إن انتفاضة الشعب الجزائري ضد مظاهر الفساد والاستبداد، هي مؤشر على تحول نوعيّ في سوسيولوجيا المجتمع، لأنها تعبر عن رغبة جامحة وعزيمة طامحة نحو التغيير الإيجابي وصناعة الفعل الحضاري، والتحرر من ربقة الاستبداد والرداءة بمختلف تجلياتها، التي ترسبت عبر سِنِيّ الفساد، وضربت بأطنابها في كل ربوع البلاد، حتى أثخنت عزائم الأحرار، وكبلت العقول والأفكار، وأوردت البلاد والعباد موارد البَوَارِ، فأسست لثقافة ممجُوجَة، وأعراف سامجة ممقوتة، تأنفها الأنفس الكريمة والفِطَرُ المستقيمة؛ من قبيل التملق الزائف والضَّعَةِ وهوان الأنفس وفساد الطباع واستمراء الرداءة، وغير ذلك من مظاهر اعتلال الممارسات السياسية والمجتمعية.

  

فكان هذا الركام المتجمع بمثابة جلمود صخر انقدحت من بين جنباته شرارة الحريّة، فأحْيَتْ في النفوس الأبيّة؛ جذوة الكرامة التي لم تنطفئ في القلوب الحيّة، منذ أن خطّت أنامل الأجداد الأشاوس بيان أول نوفمبر في1954، موشحين به على جبين الجزائر آيات العز والإباء، وروحَ التحدي والشموخ والسّناء، فأضحى عقيدة يتلقفها الخلفُ عن السلف، بأَيْدٍ أمينة، وقلوب طاهرة سليمة.

 

لابد من التهيُّئ لهذا التغيير بفعالية وصدق، من خلال معرفة مكامن العطب والاستعداد للخلاص منها، لتكون نتيجة ذلك؛ انتقال حضاري يُتوّجُ بميلاد مجتمع وظيفي

لقد أحيا هذا البيان في نفوس الجزائريين الأمل في استعادة الوطن السليب، بكلمات جامعة مانعة، وضعت معالم الدولة الموعودة، بعبارات مختارة معدودة، ودلالات في العمق ممدودة، إنه اللهب الذي أضرم في القلوب الحماس لتحقيق الأمل الذي تشرئب له الأعناقُ، وتَرْمُقُ صوبَه الأحداقُ، من التحرير إلى التنوير، ومن التعمير إلى التغيير والتطوير. لقد دفع أبناء الجزائر في سبيل تحريرها مُهجهم وأرواحهم الزكية، والأمل يَحْدُوهم في بناء دولة تناطح قمم المجد والشموخ، فتتخذ من العدل ميزانا، ومن العلم والإبداع عنوانا، ومن العمل والإنتاج مفتاحا، ومن الفضيلة والأخلاق شِرْعَةً ومنهاجا، ومن الإنسان عمادا ونبراسا.

   

إن ما صحب هذا الحراك الشعبي من مظاهر التحضر التي أبهرت العالم المتمدن، لهي محطات نيرة تستلزم الاستثمار في مكتسباتها، لتحقيق اللحظة الفارقة في حياة الأمم؛ لحظة الإقلاع الحضاري بعقول واعية، وإرادة عالية، وفق رؤية نهضوية راشدة، إن ما يجب استلهامه من هذا الحراك الشعبي هو جملة خلاصات محورية، ستؤسس لفعالية مجتمعية، وحركية سياسية، وثقافة محاسباتية، في المنظور المستقبلي للمجتمع الجزائري، فهذه التغييرات المأمولة كفيلة بإعادة هندسة رؤية جديدة في علاقة الرئيس بالمرؤوس والمواطن بوطنه؛ تُبنى على أساس الفعل المحاسَبي والحِسّ الموَاطَني والمسلك المدني، أين يجب أن تغيب فيه كل مظاهر الاعتلال السياسي والاجتماعي؛ كالزبونية السياسية والتملق والحربائية والنفاق السياسي وتضخيم الزعماء، والمنطق العشائري وغياب الوعي القانوني والمسؤولية الاجتماعية.

 

إن هذا التحول المنشود يتطلب تغييرا عميقا في الأنفس والممارسات، مصداقا لقوله تعالى: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ"(الرعد:11) وقبل ذلك لابد من التهيُّئ لهذا التغيير بفعالية وصدق، من خلال معرفة مكامن العطب والاستعداد للخلاص منها، لتكون نتيجة ذلك؛ انتقال حضاري يُتوّجُ بميلاد مجتمع وظيفي، لا تحكمه النمطية الكلاسيكية والعقل التقليدي، بل مجتمعٌ متسمٌ بالفعالية والحركية والعقل التطبيقي الإبداعي، بأبعاد وملامح جديدة في الحكم والسياسة والفكر والاقتصاد والاجتماع والتعليم ونظم التفكير والممارسات السلوكية والأخلاقية، والرشد والحكامة وجودة الإدارة. وتتجلى أهم مؤشرات هذا الانتقال فيما يلي:

  

1. على المستوى السياسي:

الإنتقال من النظام التسلطي إلى النظام الديمقراطي التشاركي، ومن النظام المركزي الجامد إلى النظام التفاعلي المرن، ومن منطق احتكار السلطة إلى التداول على السلطة، ومن الإنتهازية الحزبية إلى التنافسية الحزبية والسياسية، ومن معارضة الواجهة إلى معارضة المساءلة والاقتراح (حكومة ظل موازية)، ومن وضعية الراعي والرعية إلى وضعية المواطن والمسؤول، ومن دولة الأفراد إلى دولة القانون والمؤسسات.

 

2. على المستوى المجتمعي:

الانتقال من فكرة الولاء المطلق إلى فكرة التقييم والمحاسبة سلبا أو إيجابا، ومن منطق المخَلّصِ والشخصية المحورية إلى منطق المسؤول والمسيّر، ومن ثقافة التسليم والإذعان إلى ثقافة المساءلة والحِسْبَةِ، ومن المنطق القَبَلِي العشائري إلى ثقافة المواطنة الصالحة والفاعلة، ومن منطق الجماعة والتكديس البشري إلى الوظيفية والفعالية المجتمعية بالاعتماد على العلم والعمل.

  

إننا نملك مؤسسات وهياكل جيدة، نملك موارد وطاقات شبابية خلاقة، نملك عقولا وأفكار حيوية، نملك ثروات ومقدّرات عظيمة…لكننا نفتقر للحكم الرشيد والنظام السديد، الذي بإمكانه تحويل هذه الموارد المادية والفكرية والبشرية إلى قدرات فعلية وكفاءات نوعية

3. على المستوى الاقتصادي والإداري:

الانتقال من الاقتصاد الريعي والاستهلاكي إلى اقتصاد المعرفة والإنتاج والطاقات المتجددة والذكاء الصناعي، الانتقال من الاستثمار في الموارد المادية والمالية إلى الاستثمار في رأس المال البشري والمعرفي، الانتقال من استخدام الإنسان إلى الاستثمار في الإنسان، الانتقال من الإدارة البيروقراطية الجامدة إلى إدارة الجودة الشاملة والإدارة بالأهداف، ومن المنطق الكمي إلى المنطق الكيفي، ومن ثقافة التكديس إلى الاستثمار المنتج.

 

4. على المستوى الفكري والتعليمي والثقافي:

الانتقال من التفكير في الحاجات البيولوجية إلى الحاجات الثقافية والفكرية، ومن التفكير الشعبوي إلى التفكير العلمي والعقلاني والمنهجي، ومن ثقافة المحسوبية والزبونية إلى ثقافة الكفاءة والجدارة والاستحقاق، ومن التعليم التلقيني الاسترجاعي إلى التعليم النقدي البنائي، ومن منطق التشخيص والتقديس إلى منطق الفكرة والمعرفة، ومن ثقافة التقليد والمحاكاة إلى ثقافة الإبداع وتنمية المواهب، ومن ثقافة التهريج إلى ثقافة المطالعة والإبداع العلمي.

 

5. على مستوي القيم الحضارية:

الانتقال من ثقافة التعميم والتعويم إلى ثقافة المفاضلة والتحفيز على أساس التميز، ومن ثقافة المطالبة بالحقوق إلى المبادرة بالواجبات، ومن ثقافة النقد بالقول إلى النقد بالفعل (المبادرة والمبادأة)، ومن ثقافة الحضور إلى العمل إلى ثقافة إتقان العمل، ولتحقيق هذا الانتقال بالكفاءة المطلوبة؛ لا بد أن ترتكز عملية التغيير والبناء على الفلسفات الكبرى لتأسيس جزائر الأمل التي حلم بها الشهداء، وأهم هذه الفلسفات:

 

1- تقدير أهل العلم حق قدرهم ورد الاعتبار لهم رسميا ومجتمعيا.

2- الاستثمار في الموارد البشرية والمعرفية باعتبارها الثروة الاستراتيجية للمجتمعات الإنسانية.

3- تطوير المنظومة التعليمية وإصلاح المدرسة والجامعة باعتبارهما مستودع بناء المواطن الواعي والصالح.

4- التأسيس لمنظومة صحية سليمة من عاهة الرداءة الخدماتية وسوء التسيير.

5- إرساء قيم العدالة وسيادة القانون بآليات تمكينية عملية.

6- تثمين الطاقات الإبداعية والتفكير الإيجابي الخلاق.

7- إرساء نظام سياسي على أساس فلسفة الحكم الراشد؛ بتفعيل مبدأ المساءلة والمحاسبة والمشاركة وتمكين الكفاءات، لتحقيق فعالية وجودة المؤسسات الدستورية والسياسية.

8- ضرورة تحقيق التوازن بين السلطة التنفيذية والتشريعية، مع سيادة واستقلالية السلطة القضائية.

 

وختاما أقول: إننا نملك مؤسسات وهياكل جيدة، نملك موارد وطاقات شبابية خلاقة، نملك عقولا وأفكار حيوية، نملك ثروات ومقدّرات عظيمة…لكننا نفتقر للحكم الرشيد والنظام السديد، الذي بإمكانه تحويل هذه الموارد المادية والفكرية والبشرية إلى قدرات فعلية وكفاءات نوعية، تحقق لنا مُنْجَزًا حضاريا منسجما مع إمكاناتنا ومقدّراتنا، ومتفاعلا مع المتغيرات والتطورات العالمية، وليُبوّء الجزائر مُبوّأ صدق في العالمين.